العلاقات الصينية - الخليجية.. الدوافع والتحديات

العلاقات الصينية - الخليجية.. الدوافع والتحديات

من المتوقع عقد ثلاث قمم صينية في المنطقة، قمة صينية - سعودية، وقمة صينية - خليجية، وأخرى صينية - عربية. وتشير التحركات الدبلوماسية تلك إلى زيادة اهتمام الصين بالشرق الأوسط، والاهتمام العربي - الخليجي بالعلاقات مع بكين.

ولكن في ظل التقارب بين الصين ودول الخليج تثار تساؤلات بشأن الأسباب والتداعيات المحتملة، لاسيما أن لدى الصين والخليج علاقات قوية مع الطرفين المتنافسين لكل منهما، وهما إيران والولايات المتحدة.

ولفهم العلاقات بين الصين والخليج حالياً ومستقبلاً لا بد من وضعها في إطار ثلاثة محددات رئيسة، الأول هو الحاجة المتزايدة للصين إلى الطاقة، والآخر هو السياسة الأميركية في المنطقة التي تتجه نحو تقليل الوجود الأميركي، والثالث هو رؤية دول الخليج لمستقبلها الاقتصادي.

على رغم اعتماد الصين على مزيج الطاقة، إذ تستمر في الاعتماد على الفحم إلى جانب النفط، ويمثل النفط حوالى 20 إلى 25 في المئة فقط من إجمالي استهلاكها الأساسي للطاقة، فإن توريد النفط كوقود استراتيجي سيظل ذا أهمية حاسمة لأمن الصين. ومن ثم ستؤثر هذه الواردات في مسارات الطاقة العالمية والتجارة، وسيكون لها تداعيات كبيرة على الأمن والسياسة الخارجية الصينية. لذا على رغم أن تزايد طلب الصين على الطاقة هو وراء اهتمامها الأساسي بالشرق الأوسط، إلا أن بكين أصبحت شريكاً مهماً  لدول الخليج في عديد من المجالات الأخرى، بما في ذلك الاستثمار في البنية التحتية وتجارة السلع والخدمات والتكنولوجيا الرقمية وقضايا الدفاع والأمن.

اعتماد الصين على الطاقة من الخليج ليس جديداً، ففي السنوات ما بين 1993 و1998 كان شركاء الصين الرئيسون في استيراد النفط هم عمان واليمن وإيران والسعودية إلى جانب روسيا وإندونيسيا.  لكن منذ عام 2000 ونتيجة كبر حجم الاقتصاد الصيني، ازدادت الحاجة الصينية إلى النفط وارتفعت أهمية دول الخليج بالنسبة إلى أمن الطاقة في الصين، إذ تستورد بكين 70 في المئة من استهلاكها النفطي من الخليج.

وفي ضوء المشاركة السياسية المتزايدة للصين في الشرق الأوسط، ربما يثير ذلك تحديات مرتبطة بعلاقة كل من الصين بإيران وعلاقة الخليج بالولايات المتحدة.

وتعمل الصين على أن تكون لاعباً أساسياً في السياسة والأمن في الشرق الأوسط، وبالتأكيد عند مقارنتها بتدخل الولايات المتحدة في المنطقة، فإنها في معظم الحالات ترغب في تجنب التورط المباشر في مناطق الصراع أو الالتزامات طويلة الأجل غير الضرورية، كما أنها تعمل على تحقيق التوازن الدقيق بين علاقتها بإيران ودول الخليج، فهي تعي التنافس والصراع بين الطرفين.


إذا انقسمت واشنطن ماذا يحصل للسياسة الخارجية؟
وقد عملت الصين على ذلك من خلال توازن الزيارات إلى إيران ودول الخليج، فضلاً عن اقتراح تصور للأمن الإقليمي في المنطقة. فالصين تريد شرق أوسط أكثر استقراراً من أجل استثماراتها وتنفيذ مشروعها العملاق مبادرة الحزام والطريق.

ومن ثم فإن مركزية دول الخليج بالنسبة إلى المصالح الصينية في الشرق الأوسط، دفعت الصين للنظر إلى الخليج كسوق محتملة للاستثمار، سواء بالنسبة إلى البنية التحتية للصناعات الثقيلة مثل الموانئ والسكك الحديدية، أو كوجهة للتكنولوجيا الصينية مثل الذكاء الاصطناعي و5G. وعلى الجانب الآخر ترى دول الخليج فائدة في ربط مبادرة الحزام والطريق الصينية بإصلاحاتها الهيكلية، مثل رؤية السعودية 2030.

وتنظر دول مجلس التعاون الخليجي إلى دول آسيا، ليس إلى الصين فحسب إنما إلى الهند واليابان وغيرهما، على أنها مفتاح لمستقبلها الاقتصادي، حتى مع استمرارها في الاعتماد على الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى في الأمور ذات الصلة بالأمن والدفاع.

فدول الخليج ترغب في تنويع علاقاتها تجنباً للاعتماد المطلق على الولايات المتحدة، واستكمال علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن من خلال تطوير العلاقات مع القوى المتنافسة. فقد تمكنت دول الخليج حتى الآن من اتباع سياسة خارجية تتسم بالتوازن الدقيق، أي سياسة تطوير علاقاتها الاقتصادية مع الصين مع الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

المفارقة هنا أنه ربما تكون علاقات الصين المتوازنة بين إيران من جهة ودول الخليج من جهة أخرى، وتزايد الدوافع الاقتصادية للأطراف كلها، سبباً في استقرار منطقة الخليج العربي والممرات البحرية المتصلة بها مثل مضيق هرمز الذي يعد ممراً مهماً لإمدادات الطاقة بالنسبة إلى الصين، ومن ثم تمتنع إيران عن تهديداتها المستمرة المتعلقة بأمن ممرات الطاقة. لكن على الجانب الآخر ربما يزيد تعزيز العلاقات المتنوعة بين الصين ودول الخليج العربي (لا سيما التعاون التكنولوجي وترسيخ الاستثمارات الصينية في المنطقة والانتقال لمرحلة التعاون الأمني) قلق الولايات المتحدة التي أعلنت منذ فترة سياسة التوجه شرقاً والتخفف من الانخراط في منطقة الشرق الأوسط، معتبرة أن التهديد الحقيقي لها في آسيا آت من الصين.

ومن ثم فقد تدفع الولايات المتحدة إلى تأزيم الملف الإيراني وعدم حلحلته لتظل طهران تسبب اضطرابات وتوترات تؤثر في أمن المنطقة. ومن ثم لتظل الصين، بصفتها مستهلكاً صافياً للطاقة، تعمل في سياق جيوسياسي غير مؤكد ومضطرب.

نبض للأنباء