بقلم:د. أحمد يوسف

حماس في مشهد الحكم والسياسة:‏ أسئلة وجدليات لا تنتهي!!‏

أحمد يوسف

كلما حدث أمرٌ جلل كواقعة "حريق جباليا،" والذي راح ضحيته عائلة بكاملها 21 ‏شهيداً أو كارثة طبيعية كالأمطار الغزيرة التي هطلت على قطاع غزة مع بدية موسم ‏الشتاء هذا العام، وتسببت في إغراق شوارع القطاع، مما أثار الكثير من التساؤلات ‏والشكوك التي تضج بها صفحات التواصل الاجتماعي حول مدى أهلية سلطة حركة ‏حماس وقدرتها على إدارة شؤون البلاد وأحوال العباد. هذا على المستوى المحلي، ‏أما في الساحات الإقليمية، فهناك متابعات لتيارات الحركة الإسلامية لمشهد حركة ‏حماس السياسي وتجربته في الحكم، كما أنَّ هناك قراءات تحليلية تكتبها أقلامٌ لنخبٍ ‏من الإسلاميين والعلمانيين تتفاوت بين الإشادة ومحاولات التبرير وبين التشهير ‏والتشويه والاستهداف بطريقة "حسداً من عند أنفسهم". وهذه مسائل متوقعة من ‏الأنصار والخصوم على رأي المثل: "حبيبك يبلعلك الزلط، وعدوَّك يتمنالك الغلط". ‏
وهناك أيضاً شيء آخر مغاير، وهو ما تقوم به المراكز البحثية في الغرب من ‏دراسات لقراءة حركة حماس وفهمها كظاهرة إسلامية، ومدى تأثيرها على سياسات ‏ومصالح تلك الدول إقليمياً وعالمياً.‏
إنَّ ما يهمنا هنا هو مخرجات هذه الدراسات التي يترتب عليها بناء السياسات تجاه ‏الحركة من حيث الرفض أو القبول. ‏
لا شكَّ أنَّ تجربة حركة حماس في الحكم هي واحدة من أبرز القضايا التي لاقت ‏اهتماماً سياسياً واسعاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، ونالت كذلك ‏تغطيات إعلامية مستفيضة، حيث نُشرت على مدار عقد ونصف العقد مئات ‏الدراسات البحثية والتقييمية، التي تناولت مسيرة الحركة وسياساتها، وقامت برصد ‏فعلها وردِّ فعلها، وما لها وما عليها، وأين أصابت وأين أخطأت؟
لقد تضمنت هذه المتابعة الدقيقة لسلوكيات الحركة في تجربتها الحاضرة في قطاع ‏غزة تقديم إجابة أيضاً على أسئلة أكثر تفصيلاً، مثل: كيف تمكَّنت الحركة من ‏معالجة وإدارة الأحداث المأساوية في حزيران 2007، وكيف تمكنت من السيطرة على ‏تفاصيل تلك المحنة الوطنية؟ وأين وصلت محاولات رأب الصدع الداخلي وجهود ‏المصالحة وإنهاء الانقسام؟ وهل تغيرت حركة حماس أم أنها ما تزال على نفس ‏الممارسات وعقلية إقصاء الآخر؛ باعتبار أنها على "المحجَّة البيضاء"!! ونحو ذلك. ‏وهل نجحت أم أخفقت في إقامة علاقات لها مع دول المنطقة؟ وهل حققت اختراقات ‏على الساحة الغربية للخروج من طوق الحصار المفروض عليها؟ وهل تمكنت من ‏دحض اتهامات الإرهاب الموجهة إليها، وتحقيق التواصل المطلوب مع المجتمع ‏الدولي؟ وكيف لحماس أن تقنع العالم والمجتمع الدولي بالانفتاح والتواصل معها؟ ‏
‏ هذا فيض من أسئلة لا تنتهي دارت حولها تساؤلات هذه الوفود الدولية، التي حطت ‏رحالها في قطاع غزة منذ فوز الحركة في الانتخابات التشريعية عام 2006.‏
نعم؛ ربما جاءت خلاصات الكثير من هذه الدراسات والأوراق البحثية متحاملة أو ‏سلبية، حيث نجحت إسرائيل وماكينتها الدعائية التضليلية (الهسبرة) في شيطنة ‏حركة حماس واتهامها بالتطرف والإرهاب، وفرض شروط ظالمة عليها قبل إجراء ‏أي اتصال معها أو انفتاح عليها، كما جرت العادة في نهج السياسات والعلاقات ‏الدولية.‏
وبالرغم من توفر القناعات لدي الكثير من هؤلاء الباحثين الغربيين بأن حركة ‏حماس قد تعرضت خلال مسيرتها إلى تآمر دولي وتواطؤ إقليمي ومحاولات متعمدة ‏من قبل الاحتلال الإسرائيلي لتعطيل عملها وإبراز قدراتها، وكذلك ما طالها من ‏مناكفات وظلم ذوي القربي!! إلا أنَّ المواقف والسياسات لم تتغير كثيراً.‏
لكن.. وهنا موطن الدمع والأسى، فإن كلَّ هذه الضغوطات والعقبات لا يمكنها تبرير ‏حالة التراجع والاخفاق في تقديم "نموذج الحكم الرشيد"، الذي بشَّرت به حركة حماس ‏خلال حملاتها الانتخابية. صحيحٌ؛ هناك ممارسات وأخطاء لا يمكن تجاهلها أو ‏الدفاع عنها، وربما تُحمَّل قيادة حركة حماس كامل المسئولية عنها، ففي السياسة ‏ومشهد الحكم تبقى الإنجازات هي مؤشر النجاح أو الفشل لأي حزب أو أيديولوجيا ‏ترفعها الحركات أو التيارات لتعبئة الجموع وحشد الشارع خلفها.‏
وعليه؛ فإن حركة حماس خلال مسيرتها المتعثرة لأكثر من 15 عاماً الماضية لا ‏تُعفيها من النقد والكلام، وأن الذرائع لا تكفي للدفاع عن تراجعها وتبرير إخفاقاتها في ‏تحقيق مشهد "الحكم الرشيد"، وهذا معناه أن عليها أن تعيد حساباتها السياسية ‏والأخلاقية، وأن تجري من المراجعات الحركية والتنظيمية وفي مجال علاقاتها ‏العربية والإسلامية والدولية ما يُعين على إقالة عثارها، وتمكينها من الإصلاح ‏والتغيير، وعليها -إن تطلب الأمر- الاعتذار وتحمل الغياب عن المشهد السياسي ‏لحينٍ من الوقت، والتمكين لغيرها عبر العملية الانتخابية من تقديم نموذجه في ‏الحكم، في عملية من التداول السلمي للسلطة تحفظ الأمن والاستقرار وفرص ‏الازدهار. ويمكن لحركة حماس بعد ذلك إعادة انتاج نفسها، والخروج بإطلالة ‏سياسية مغايرة تُقنع الشارع بأهليتها من جديد للظهور في مشهد الحكم والسياسة.‏
بالطبع؛ كان هناك من الأخطاء ما يمكن تبريره كنقص الخبرة والتجربة السياسية، ‏ولكن أيضاً هناك عجز واخفاقات لا تتحمل وزرها إلا الاختيارات الخاطئة من حيث ‏المكانة والمهنية، وذلك بوضع الكثير من الكوادر والشخصيات القيادية غير المؤهلة ‏في الأماكن التي لا يصلح لها إلا الكفاءات النوعية الخاصة وأصحاب التجارب ‏والعطاءات والجدارة العلمية.‏
باختصار.. لقد تعثرت حركة حماس في الكثير من اختياراتها للقوي الأمين، ‏وحتى لا أبدو ظالماً في هذا التقييم، فإن هناك من بين من تقلدوا المناصب من ‏أظهروا بأخلاقهم ومهنية عملهم ومستوى نزاهتهم وتعاطيهم بـ"بسياسة الباب المفتوح" ‏مع المواطنين، أنهم أهل للمسؤولية والأمانة. ‏
لقد ظلت حركة حماس قبل انغماسها في مشهد الحكم والسياسة تمثل أملاً كبيراً ‏تعلقت بها أنظار الناس في الشارع الفلسطيني قبل العام 2006 كما يتعلق الحاج ‏بأستار الكعبة طلباً للطهارة والمغفرة والخلاص، وكانوا يرون فيها طوق النجاة من ‏نفق التيه والمظالم، ولكن – واحسرتاه- لم يكن الأمر بأفضل مما كان عليه حكم ‏من سبقوهم من قيادات وأحزاب، بل ربما جاءت الخلاصات في بعض النتائج مخيبة ‏للآمال.‏
لا يمكننا هنا الدخول في كل التفاصيل، ولكن تكفي نظرة على مؤشر استطلاعات ‏الرأي العام لملاحظة حجم التراجع في الحاضنة الشعبية، وفي فعالية جمهور ‏الأنصار والمؤيدين.‏
لقد حاولت -وما زلت كأحد رموز الحركة المخضرمين- في إسماع جهات اتخاذ ‏القرار بأخطار المآلات التي تنحدر في اتجاهها الحالة الإسلامية، ونموذجها ‏المفروض في الحكم، ولكني - بصراحة - كنت أشعر مع كل خلل وتراجع أو تكرار ‏للأخطاء أننا كمن ينفخ في قربة مقطوعة، أو يصرخ بأعلى صوته في وادٍ غير ذي ‏زرع!!‏
إنَّ حجر الزاوية في إصلاح الحالة الوطنية، هو إعادة الثقة للشارع الفلسطيني بأننا ‏ما زلنا قادرين على المراجعة ولمِّ الشمل وتحقيق الإصلاح والتغيير. ‏

نبض للأنباء