المقذوف غيت

بقلم د. أسامه الفرا

بقلم د. أسامه الفرا

 هل نما إلى علمنا بأن الضمير الأمريكي أفاق من سباته العميق والطويل وأخذ بصاحبه إلى جادة الحق، وأن أمريكا لن تقف هذه المرة كما اعتادت فعله على مدار العقود السابقة في مساندة إسرائيل والدفاع عنها، وأنها ستكتب في تقريرها المتعلق بالتحقيق في اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة ما تدين به ربيبتها المدللة؟، هل فعلاً وصلت السذاجة بنا كي نصدق أن أمريكا تبحث عن دليل مادي يحمله المقذوف الذي قتل شيرين كي تكمل به ادانتها لإسرائيل وتحملها مسؤولية الجريمة؟، فهل مشكلتنا مع أمريكا تكمن في غياب الأدلة المادية التي توثق جرائم إسرائيل بحقنا؟، هل على إسرائيل أن تبيد قطاع غزة عن بكرة أبيه كي تجد أمريكا في ذلك دليلاً مادياً على إرتكاب إسرائيل لجريمة بحق الإنسانية يترتب عليها الإدانة؟، ألا ترى أمريكا في كل هذا الاستيطان دليلاً يجعلها تتوقف عن إستخدام حق النقض الفيتو أمام أي قرار يدن سياسة إسرائيل الاستيطانية؟.
رفضت السلطة الفلسطينية منذ البداية إجراء تحقيق مشترك مع إسرائيل في جريمة إغتيال أبو عاقلة وموقفها هذا حظي بإجماع وتأييد الكل الفلسطيني، ووسط موجة التنديد الدولي بالجريمة تصاعدت الدعوات المطالبة بتحقيق دولي شفاف ومستقل ومعاقبة الجناة، وهذا ما دعا إليه الأمين العام للأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي والذي أكدت عليه المجموعة العربية في الأمم المتحدة وشاركهم في ذلك العديد من دول العالم والمنظمات الدولية، وفي كلمته أثناء تشييع جثمان الصحفية أبو عاقلة أكد الرئيس محمود عباس على التوجه فوراً لمحكمة الجنايات الدولية لملاحقة المجرمين، وفي خضم الموجات المتلاحقة من التنديد الدولي بالجريمة إتسم الموقف الإسرائيلي بالإرتباك والعجز والكذب المفضوح، وفي الوقت ذاته تصاعدت حدة الانتقادات الداخلية للإدارة الأمريكية مطالبة إياها بإتخاذ موقف واضح من الجريمة سيما وأن شرين أبو عاقلة تحمل الجنسية الأمريكية، وعزز من ذلك التقرير الاستقصائي لشبكة "CNN" الذي قدم الأدلة وافادات الشهود ورأي الخبراء وخلص إلى أن جريمة الاغتيال تمت بشكل متعمد من القوات الإسرائيلية، وهو ما ذهبت إليه أيضاً صحيفة نيويورك تايمز في تقريرها عن الجريمة، ولم تبتعد صحيفة الجارديان عن ذلك في تقاريرها.
بدون مقدمات أعلن النائب العام الفلسطيني أنه تمت الموافقة من جهات الإختصاص في دولة فلسطين على تسليم المقذوف للجانب الأمريكي لإجراء أعمال الخبرة الفنية عليه، ووفقاً للقناة ١٢ الإسرائيلية فإن طاقم الفحص الإسرائيلي بحضور المراقب الأمريكي أجرى فحوصات باليستية للمقذوف الذي تسلمته من النيابة الفلسطينية، وكي تكتمل مشاهد المسرحية الهزلية جاء الطاقم الإسرائيلي بالبنادق المستخدمة في ذات اليوم من قبل أفراد الجيش، وبالتأكيد جيء ببنادق لم يسبق أن إقتربت من جنين، وخلص إلى نتيجة مفادها بأنه لا يمكن التأكد من الذي قتل الصحفية شرين أبو عاقلة، وما إذا كانت الرصاصة أطلقت من سلاح إسرائيلي أم لا، وسارعت وزارة الخارجية بالإعلان على أن المحققين لم يتمكنوا من التوصل لنتيجة نهائية بعد تحليل المقذوف، وبالتالي جاءت النتيجة مطابقة للسردية الإسرائيلية وتتماشى مع رغبة الإدارة الأمريكية.
أبدت إسرائيل إرتياحها بعد نشر نتائج التحقيق الأمريكي والذي هو في حقيقة الأمر إسرائيلي من ألفه إلى يائه، فيما عادت وأكدت الرئاسة الفلسطينية على تحميل إسرائيل المسؤولية الكاملة عن مقتل الصحفية أبو عاقلة، وسارعت الفصائل لنشر بياناتها المستهجنة والمنددة والمستنكرة لما خلص إليه التحقيق الأمريكي، وكأن الجميع يريد منا أن نفكر في الخاتمة وما جرى فيها من اختزال دون التطرق للمقدمات والحيثيات التي أفضت إليها، والتي نتوقف عند التالي منها:
أولاً: كيف فشلنا في استثمار التضامن الدولي الغير مسبوق معنا وعجزنا عن خلق آلية لإجراد تحقيق شفاف ومستقل كما نادى به المجتمع الدولي ولماذا قبلنا بتحقيق ظاهره أمريكي وباطنه اسرائيلي؟.
ثانياً: من هي جهات الاختصاص التي أمرت بتسليم المقذوف للجانب الأمريكي، وعلى أي أساس تم ذلك، وهل أمريكا محل ثقة كي نقوم بذلك سيما وأنه لم يعد خافياً على أحد أن الإدارة الأمريكية تبحث عن مخرج يجنبها المزيد من الانتقاد داخل أمريكا قبل خارجها؟.
ثالثاً: لماذا قبلنا بنقل المقذوف إلى السفارة الأمريكية في القدس التي أوسعنا قرار نقلها من تل ابيب إلي القدس شجباً وتنديداً، ولم نطلب منهم أن يفحصوا المقذوف لدينا سيما وأن الجريمة تمت على أراضي دولة فلسطين طبقاً لإعتراف الأمم المتحدة، وأن التحقيق الجاد يبدأ من معاينة مسرح الجريمة؟.
رابعاً: تحدث النائب العام عن ضمانات أمريكية بأن الفحص سيتم من قبل الخبرة الأمريكية ولن تكون هناك مشاركة من الجانب الإسرائيلي أثناء اجراء العملية، فما هي طبيعة هذه الضمانات خاصة وأن وسائل الإعلام تحدثت بأن الفريق الجنائي الإسرائيلي هو من قام بالفحص بوجود مراقب أمريكي؟.
خامساً: لا أعرف الأساس الذي بني عليه وزير العدل الفلسطيني تصريحه بأن واشنطن أعادت الرصاصة إلى السلطة الفلسطينية وتبين له أنه لا يوجد عليها تغييرات من الناحية الفنية والمهنية وعادت كما هي، سيما وأن رئيس الوزراء محمد إشتية سبق له وأعلن رفضه تسليم المقذوف خشية أن يتم تزويره، فهل لدينا من التقنية الفنية ما نؤكد به تصريح الوزير؟.
كان علينا أن ننتبه لهزلية التحقيق وأنه تم الترتيب له ليخرج بهذه النتيجة، فالتحقيق الجاد لا يستند فقط على المقذوف سيما وأن العلم اليوم المتعلق بالتحليل الصوتي والمرئي وطبوغرافية مسرح الجريمة وتحليل إفادة الشهود كل ذلك يوصلنا لأدلة لا تقل أهمية عن المقذوف، والأمر الآخر أن التحقيق الهزلي الذي تعاطينا معه يقلص من فرصة التحقيق المستقل الذي يطلبه المجتمع الدولي، للأسف أن ما جرى لا يتعدى مسرحية هزلية قبلنا أن نلعب فيها دور الكومبارس، ومهزلة تسليم المقذوف لا تختلف كثيراً عما حدث في تقرير غولدستون، وسيذهب ملف المقذوف غيت كما ذهب غيره من قبل أدراج الرياح.

نبض للأنباء