أزمة الكويت.. دروب الانتصار ومخاوف الانحسار

عبدالله بشارة

عبدالله بشارة

أن تكون الكويت موطناً لأحداث يتابعها الخليجيون والآخرون من العرب، معظمهم في حيرة بشأن مسببات الأزمات التي تتوالى من داخل الكويت ومن مجلس الأمة، وعلاقة المجلس بالحكومة، ومدى علاقة الانسجام، لاسيما بين رئيس الحكومة والنواب، الذين تصل احتجاجاتهم على أداء الرئيس وغير المقنع في حساباتهم - والتي لا تخلو من تطاولات ومفردات لا تنم عن وقار واحترام، فمثل هذا المشهد المؤسف لا يليق بالكويت ولا بتراثها ولا بعنوانها الإنساني البارز.
هذه الأزمات لا تأتي من تقصير حول مفاهيم حقوق الإنسان ولا من تحقير للمكان المرتفع للقانون وسيادته وضرورات الامتثال له، وإنما هي صادرة من إفرازات متنوعة، بعضها من معارضة قوية من عدد من النواب ضد رئيس المجلس، الذي يرون فيه تجاوزات، وفي إدارته انحيازات، وفي أحكامه تعسفات تزعجهم، وكذلك من خيبات تصدر بسبب رفض رئيس الوزراء الشيخ صباح الخالد الانحناء لما يريدونه من خدمات تؤمن لهم العودة البرلمانية، كل ذلك على حساب القانون وتسفيه لقواعد العمل وتحقير لحقوق الآخرين من المواطنين.

وفوق ذلك، يستسهل بعض النواب الدخول في ممارسة الاستجواب لوزراء، لأنهم لا يقبلون طلبات النواب الخدماتية وغير القانونية، وترافق ذلك مفردات بحق الوزراء وبحق رئيسهم دخيلة على قواميس البرلمان الكويتي منذ ولادته عام 1962، وتتواصل الاستجوابات فتتواصل الاستقالات.

والواقع أن سمو رئيس الوزراء تبنى أسلوب المجاملات المطعم برقة المشاعر، وتتضمن تقديم الحلول التي لا تتناسب مع شروط الجدية وإملاءات الحزم وصلابة المواقف التي تصوغها مفردات واضحة في الالتزام باللائحة ورفض الخروج على الدستور، مع إدخال القناعة لدى النواب بأن روح الديموقراطية الكويتية تتطلب التعاون بين الطرفين، فلا إنجاز يتحقق من دون هذا التعاون، ولا يمكن تأمين الهدوء والاستقرار في سعي طرف إلى فرض ما يريد على الجانب الآخر، مع التذكير بأن البرلمانية الكويتية هي انعكاس لواقع الكويت، وهي وصفة خرجت من نبض الكويت، الذي يتدفق من توافق بين الحكم والشعب، والواضح من التجارب أن الحياة البرلمانية في بدايتها وحتى آخر السبعينيات كانت مثمرة ومبهجة، فيها الإيحاء التفاؤلي، وبسببها كانت الصلابة المجتمعية الداخلية راسخة.

ولم يكن المحتوى التراثي والاجتماعي للكويت يسمح باقتباس ما نراه من ديموقراطيات في دول الأحزاب، حيث يحكم من يفوز من أحزابها، وتقوم معارضة تسعى إلى إسقاط الحزب الحكم، كما أن هذا التراث الكويتي المتميز بالاحترام المتبادل والمأخوذ بسحر الحلول الوسطى، والمتفهم لواقع الكويت الجغرافي، والواعي لضيق مساحتها ومحدودية سكانها، والمنتبه للأعاصير التي تعصف بالمنطقة، لا يتحمل انشقاقات سياسية، وفوق ذلك فإن تربة الكويت غير صالحة لتسلل الايديولوجيات أو وجود أحزاب قياداتها متطرفة يميناً أو شمالاً.

الكويت بلد الوداعة، فيها كنوز من المشاعر الأليفة في لغتها، ومترابطة في علاقاتها، ومسالمة في نواياها، وعميقة في شغفها الوطني، وساحرة في ضمها الجماعي لمواطنيها، والآسرة لمن عاش فيها.

مثل هذا النوع من الأوطان لا يحيا في أجواء الصراع، ولا يحتمل العداوات، ولا يتفوق في المشاحنات، خاصة بين نوابه ووزرائه، وبكل وضوح دستور الكويت وبشكل عام، تم تفصيله من خياطين على علم بالمنشأ الكويتي ومن تراثه، وعلى علم برقته، وأيضاً بما يعكر مزاجه.

ومن هذه الحقائق علينا أن نقترب في اجتهاداتنا نحو الأصلح والأكثر عطاءً، متسلحين بالواقعية، حاملين خريطة الكويت في بالنا عند التفكير في الإبحار إلى ما نتمناه من استقرار داخلي متين وصلابة وحدة وطنية وتكاتف اجتماعي يستوعب الأزمات ويطوقها الإصرار على نحو المزيد من الاستنارة بالعلم والمواهب والانفتاح على الجديد والمفيد، وبصراحة فإن استمرار الدور البارز للشرعية التاريخية في توفير رئيس الوزراء يظل الأهم في آليات الاستقرار وفي ضمان الإجماع الشعبي الداخلي.

ويبقى هذا النهج هو الطريق المستقبلي الآمن في ضمان الإجماع الشعبي الداخلي، مع لياقة شخصية لمن يأتي، وجدارة في قبضة حازمة تستند على خبرة وتتسلح بالولاء للمبادئ التي جسدها الدستور، وأبرزها سيادة القانون، واستدامة الألفة وتجذير الوحدة الوطنية وشحن الأنغام في الولاء الوطني.

منذ بروز الأزمة الوزارية لم يتوقف الأخوة في دول مجلس التعاون عن التواصل لمعرفة المزيد عما يدور في الكويت، خاصة أنهم يتابعون تجمعات «الغبقة» الرمضانية الكويتية، ويرصدون ما يخرج منها من تفاهمات أو مزيد من الانشقاقات.

مع الأمل أن نطوي زمن التباعدات والمناطحات لكي نبقى متابعين في رصد الأزمات الإقليمية العالمية، التي تضع هذا الكون الآن على مشارف مواجهات نووية ليست مستحيلة في ضوء ما نتابعه من أوكرانيا، وأتمنى أن يزيد تواصلنا مع الشركاء في دول المجلس، ومع الشركاء الإستراتيجيين بالحجم الذي تفرضه ضرورات الحذر لتأمين السكينة والأمن.

وفوق كل هذه الحيرة، تتضخم التوقعات حول مصير مجلس الأمة مع مقارنة بالوزراء من سيودع الآخر، ومن يسكب الدموع على رثاء الفقيد - قد يكون المجلس أو الوزارة - وتزداد سخونة الاجتهادات عن توقف أعمال المجلس لفترة قصيرة، أم هناك احتمال لغياب طويل.

هذا هو المناخ السائد حالياً، وشخصياً أدعو لبقاء المجلس وعودة الحكومة برئيس جديد حاملاً خطة وطنية، يشكل الأمن والدفاع والدبلوماسية فصلاً يشرف عليه النائب الأول، ويكون من أبناء الأسرة، والجزء الآخر من الخطة هو البعد التنموي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ويشرف عليه نائب رئيس الوزراء، ويكون من المختصين من أبناء الشعب، فلا فائدة من حل المجلس وإعادة الانتخابات بعد شهرين، ولا يجب الحل إلا ببديل يسهل المسار النيابي ويرسخ استمرار الحكومة، ويمكن أن يتحقق ذلك وفق خطوات تعالج استسهال الاستجوابات وعناصر أخرى من اللائحة الداخلية، تزيل الإجراءات الثقيلة التي لم تكن مألوفة في الحالة السياسية الكويتية.

أتوقع شخصياً تبديلات في مجرى الفكر السياسي الكويتي، ترتفع فيه مشاعر الحرص على تحصن الدولة الوطنية الكويتية وتعميق الولاء لخريطتها كما نلمسها الآن، مع الحذر من الهيام الأيديولوجي الوحدوي، وتكثيف الإصرار على انطلاقات تنموية شاملة يرافقها الحنين للانفتاح الذهني، الذي فقد كثيراً من جسارته حصيلة للتشدد في فهم انفتاحات تراثية كان الباب فيها مرحباً بكل ما يفيد.

ودون ذلك سيبقى التوتر ويتعمق، وتتصاعد في مجتمعنا الاجتهادات السياسية العقيمة، التي أضرت بالمجتمعات العربية وتؤدي إلى ضعف البنية السياسية والاجتماعية للدولة، ويبقى التشاؤم سابحاً في فضاء الكويت.

نقلا عن "القبس"

نبض للأنباء