أقلام وآراء

مـا ضـرهـم لـو شـاركـوا؟

كالعادة تتراجع “حماس” و”الجهاد” في كل ما يتعلق ببناء النظام السياسي وإعادة تفعيل مؤسساته.
فالقرار الذي اتخذته الحركتان اللتان تشكلان مركز الإسلام السياسي في فلسطين كان صادما رغم انه يصعب القول انه كان مفاجئا.
فالكل كان يتوقع ان تصطف الحركتان مع القيادة الفلسطينية نصرة للقدس، خاصة أننا لم نر الصواريخ تنطلق دفاعا عن المدينة المقدسة، كان علي الأقل يمكن للمشاركة في المجلس الوطني أن تشكل اسنادا سياسيا للقضية الكبرى، وترفع القليل من العتب الذي يغلف الصمت القاهر في التعامل مع هبة القدس، بعيدا عن الشعارات وخطب المنابر.
كان ثمة توقع كبير بان يتم تغليب المصلحة العامة علي التعنت الحزبي الذي بات مملا.
وكان يجب الوقوف بمسؤولية أمام الاستحقاقات الوطنية خاصة أن القضية تمر بمرحلة صعبة بحاجة إلى توحيد الجهود وتكامل الفعل.
وكان الرفض متوقعا بالنظر إلى تاريخ حماس والجهاد الكبير في ممانعة النظام السياسي والوقوف خارج ارث العمل الوطني الكبير.
لقد اجتهدت الحركتان طوال الثلاثين سنة الماضية في البقاء خارج اطر المؤسسة الرسمية خارج الإجماع حتي بات السعي لهذا غاية بحد ذاته.
علينا أن نعود لسنوات الانتفاضة الأولى التي ولدت حماس بعد اندلاعها والجهاد الإسلامي قبلها.
مثلا أصرت حماس على عدم دخول القيادة الموحدة للانتفاضة وكذلك فعلت الجهاد الإسلامي دون أي مبرر، بل إن كل حركة ومن باب زيادة الخير خيرين كانت تلتزم بيوم مختلف للإضراب الشهري.
ففيما اندلعت الانتفاضة يوم التاسع من كانون الأول يوم استشهاد رفيق الطفولة والجار الجميل حاتم السيسي، واعتبر  ذلك اليوم يوم بداية الانتفاضة، وتم اعتماد التاسع من كل شهر يوما للاضراب الشهري فان حماس الوليدة في ذلك الوقت أصرت حتى على الاختلاف مع الحركة الوطنية واعتبرت الثامن من كل شهر يوما للإضراب أما الجهاد الإسلامي فاعتبرت السادس من كل شهر بالاستناد إلى تاريخ استشهاد قادتها الفارين من سجون الاحتلال.
بمعني آخر تم تفضيل التاريخ الحزبي علي التاريخ العام والحكاية الفصائلية على الحكاية الوطنية.
واستمر هذا الاختلاف في اللقاءات المبكرة التي خاضها عرفات شخصيا بين غزة والخرطوم في محاولة لدمج حماس في المنظمة.
وكانت هذه الحوارات تصطدم بجهود حماس لتعطيل دخولها عبر المطالب المستعصية مثل نسبة التمثيل المرتفعة التي كانت تريدها.
أي ضرر سيصيب الحركتين لو اشتركتا في أعمال المجلس؟ هل أن موقفهما السياسي متقدم أنملة واحدة عن موقف المجلس والرئيس؟ لا عاقل يظن ذلك.
على الأقل فان الموقف الرسمي متقدم كثيرا وذهب جهة الاشتباك المباشر مع الاحتلال والإدارة الأميركية في الأروقة الدبلوماسية.
بل على صعيد الاشتباك اليومي في القدس والضفة الغربية فان قيادة فتح والمنظمة هي من يخوض غماره ميدانيا.
السؤال يظل قائما: ما الحكمة من عدم المشاركة إلا استمرار حالة المناكفة والمشاحنة والوقوف جانبا.
كان يمكن للمشاركة أن تدفع المصالحة للأمام، أن تشكل دفعا قويا لها، لكن يبدو أن ثمة من يصر على أن المصلحة تعني التقاسم أولا وثالثا وعاشرا، أن تكوين النظام السياسي ليس مهما. وأن هناك فرقا بين السلطة والحكومة وبينهما وبين المنظمة.
فحماس تشارك في الحكومة ولا تشارك في السلطة، وكأن الحكومة نزلت من الفضاء ولا تنتظم كجزء من مؤسسة سياسية وإدارية اشمل، وتشارك في انتخابات السلطة التي هي وفق قانون تأسيسها إحدى مؤسسات منظمة التحرير، لكن حماس لا تعترف بذلك.
هل كان قرار رفض المشاركة حسما لصراع حماس الخارج مع حماس غزة.
الأخيرة هيمنت على القرار في السنة الأخيرة، فيما بدت حماس الخارج المناكفة للمصالحة، بل اعتبرت خطوات السنوار مغامرة وتنازلا، فيما الحقيقة أن حماس بعد عقد من الحكم بدت اكثر نضوجا.
إنه النضوج الذي يقود إلى الواقعية، إنها الواقعية التي أزاد داعمو مقاطعة “المركزي” إخراج حماس منها وتجنيبها المزيد من التوغل فيها.
تخيلوا لو شاركت حماس والجهاد، سيكون لذلك تبعاته. لكن البعض يقيس الوحدة الوطنية بالرواتب والموظفين على اهمية اعطاء الناس حقوقها والا يدفعوا اثمانا لقرارات لم يشاركوا فيه، لكن في المشاريع الكبيرة فان التفاصيل لا تعود مهمة، وحين يتعلق الأمر بالقدس كان يمكن النظر أبعد من الصراعات الحزبية الداخلية وصراع الأجنحة.
هذا يتطلب الذهاب في اتجاهين، الأول العمل على تعميق المصالحة وتحريك الملفات العالقة حتى لا يواصل الشامتون مكرهم بفشلها.
والبحث عن حلول عقلانية وقابلة للتنفيذ لكل تلك المشاكل خاصة قضيتي التمكين والموظفين. أما الاتجاه الآخر فيتمثل في عقد جلسة للمجلس الوطني حتى لو لم تشارك حماس والجهاد وتجديد الدماء في مؤسسات المنظمة.
ولا يكون رفض دخول الحركتين عائقا أمام استمرار المؤسسة، مع التأكيد علي انه فور التوصل لتفاهمات بشأن دمج الحركتين يصار لعقد المجلس الجديد بمشاركتهما لو بعد أسبوع من الجلسة السابقة، بمعني أن الإرادة السياسية لا يمكن رهنها لمواقف الحركتين كما أن موقفهما من المشاركة في المجلس المركزي يجب أن لا يعطل المصالحة، بل يجب أن تدفع إلى تفكيك الأزمات حتى لا يتوغل كارهو الوحدة الوطنية اكثر ويهدموا المعبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق