أقلام وآراء

لماذا تعثرت المصالحة؟

تعثرت المصالحة، لأن أسباب الانقسام ما زالت قائمة.
لن أستخدم تعبير “طرفي الانقسام”، لأن ترويج هذا المصطلح كان أحد أسباب استمرار الانقسام كل هذه المدة.. لأنه كان يوزع بالتساوي المسؤولية بين الطرفين، وهكذا بدلا من تحديد السبب الحقيقي للانقسام، وتحميل المسؤولية للطرف الذي صنعه، والضغط عليه لإجباره على التراجع عنه، استفادت حماس من هذا المناخ الإعلامي المضلل، وظلت تراوغ وتماطل.
وللإنصاف، تتحمل قيادة فتح، وتحديدا الرئيس أبو مازن جزءا مهما من المسؤولية.. كما تتحمل الفصائل الأخرى (وتحديدا الجهاد، الشعبية الديمقراطية) وأيضا منظمات المجتمع المدني، والإعلام جزءا آخر.. بسبب سلبيتها، وادعائها المزيف بالحياد.. لكن الجزء الأكبر تتحمله حماس.
لنبدأ بالرئاسة؛ فقد ارتكبت قيادة السلطة على الأقل ثلاثة أخطاء، أدت إلى تعثر جهود المصالحة؛ الأول: امتناع الرئيس أبو مازن عن زيارة غزة حتى اللحظة، وإصراره على القيام بهذه الخطوة بعد إنجاز المصالحة بشكل كامل.. فلو تدخل الرئيس بشكل شخصي ومباشر في جولات الحوار، وحضرها بنفسه ربما لتغير الأمر.. ولو ذهب إلى غزة، وبدأ بفرض حقائق على الأرض، لوجد كل القاعدة الشعبية هناك تؤيده، وتقف إلى جانبه.. ليس نكاية بحماس، بل لأنها بالفعل تواقة لإنهاء الانقسام..
الأمر الثاني: الإصرار على نفس طاقم المفاوضين.. وهنا لا أشكك بنيّتهم ولا بكفاءتهم، ولكن عشرات الجولات الحوارية، وحفلات التوقيع، والمؤتمرات الصحافية بنفس الوجوه، ونفس الأداء إنما دليل فشل.. بالتأكيد لدى فتح قيادات أخرى قادرة على إنجاز المهمة.. لكن العقلية الأبوية التي طالما هيمنت على آليات صنع القرار في فتح (وبالطبع في غيرها) تجد صعوبة بالغة في إجراء التجديد والتغيير..
الأمر الثالث: أن قيادة السلطة لم تقم بخطوات جدية باتجاه إنهاء الانقسام، تحديدا بعد توقيع الاتفاق الأخير في القاهرة، حيث كان من المفترض، على الأقل، رفع “العقوبات” عن موظفي غزة، وفتح معبر رفح.. يعني الموضوع يستحق تقديم تنازلات، والتساهل في بعض الشروط، كخطوة تبرهن على حسن النوايا، وحتى يلمس المواطنون فرقا، ولا يصيبهم الإحباط، كما حصل في المرات السابقة.
أما فصائل اليسار والجهاد الإسلامي، فقد وقفت موقفا سلبيا، رغم كل الخطابات الثورية، وكل ما قالوه عن ضرورة إنهاء الانقسام.. فقد تواطأت تلك الفصائل أكثر من مرة مع حماس، وتماهت معها، ربما في ذهن البعض منهم خلفية ثأرية من فتح، أو من السلطة.. أما الإعلام، فيبدو أن أغلب الإعلاميين لا يعرفون الفرق بين “الحياد” و”الموضوعية”.. الإعلامي ليس مطلوب منه أكثر من نقل الحقيقة بأمانة وتجرد وشجاعة، فبحجة الحياد، كان البعض يحمل دوما “طرفي الانقسام” نفس المسؤولية، الأمر الذي استفادت منه حماس في المماطلة والتسويف، ما أدى إلى خفوت حدة الضغط الشعبي على حماس.. بل إن الجماهير بدت وكأنها استكانت واستراحت للوضع.. أما الإعلام الحزبي (لفتح وحماس) فلم يقدم سوى التحريض، وبث ثقافة الكراهية والتعصب، وتعميق الانقسام.. وهكذا تاهت الحقيقة في زحمة الخطابات (المحايدة والمحرضة)..
لنأتي إلى حماس؛ لا نحتاج براهين كثيرة، لإثبات أن حماس هي التي بدأت الانقسام، فهي التي قامت بما أسمته “الحسم العسكري”.. وهي التي ظلت تسيطر على غزة كل هذه السنين، وهي التي طالما وضعت الاشتراطات، والاستدراكات، وتقديم التبريرات، وهي في الحقيقة في كل مرة كانت تراهن على الوقت، وتنتظر تغييرا ما سيحصل في المعادلة الإقليمية لصالحها، بما يمكنها من تثبيت إمارتها في غزة.
وما حصل مؤخرا، وجعلها توافق على إنهاء الانقسام، أن كل الدول التي شجعتها على خطوة “الحسم العسكري”، ودعمتها بما يمكّنها من استمرار حكمها لقطاع غزة، قد تغير موقفها من حماس، ولم تعد تدعمها، والمقصود بتلك الدول (سورية، إيران، قطر، تركيا).. وهكذا مع نضوب مصادر التمويل، وتغير النظام في مصر، وتراجع دور قطر، وتوقف الدعم الإيراني والسوري.. وصلت حماس لنقطة، لم يعد بعدها بوسعها مواصلة حكم غزة، خاصة وأن الأمور ساءت لدرجة خطيرة، وصارت تنذر بالانفجار.
ترافقت تلك المتغيرات مع تغيير في قيادة حماس، أفضت إلى تركز قيادتها في الداخل (غزة)، وصعود تيار وطني، بزعامة “السنوار”، يرى أن غزة، ليست مشروعا إخوانيا، إنما هي أرض فلسطينية.. لكن هذا التيار على أهميته، وإيجابية توجهاته، إلا أنه ما زال يريد الخروج دون خسائر، على الأقل أمام القاعدة الاجتماعية المؤيدة لحماس؛ أي موظفي القطاع الحكومي ومنتسبي الأجهزة الأمنية.. وهذه إحدى العقبات المهمة.. في واقع الأمر، ما زالت حماس متمسكة بالحكم، رغم أنها تخلت عنه (هكذا تقول في خطابها الإعلامي).
لن ينتهي الانقسام، إلا إذا تنازل الطرفان: على السلطة أن تستوعب موظفي حماس، فهم قبل أي شيء مواطنون فلسطينيون، والسلطة مسؤولة عنهم، ومع صعوبة توظيفهم بصفتهم التنظيمية (أي فقط بوصفهم أبناء حماس)، فهذا غير مقبول لا وطنيا ولا دوليا.. التوظيف لا يكون على أساس الانتماء الحزبي، إنما وفقا للشروط المهنية، كما أن الدول المانحة من المستحيل أن تدفع رواتب لأبناء حماس بصفتهم التنظيمية.. إلا أن المبادرة السويسرية تقدم حلا مقبولا..
على حماس التخلي فعليا (لا قولا) عن الحكم.. عليها تسليم الوزارات والمؤسسات والأجهزة الأمنية للسلطة، والتوقف عن جباية الضرائب، والتصرف بصفتها الحاكم الفعلي.. والتوقف عن الخطاب المخادع أمام الإعلام، الذي لا يعكس حقيقة الأمر على الأرض..
وعلى حماس العودة إلى صفوف الجماهير بصفتها حركة مقاومة (فهذا هو مبرر وجودها)، ويمكنها أن تكون حزب معارضة قويا، أو شريكا في السلطة.. وهذا يعني التوجه فورا نحو الانتخابات، ودون مراوغة.
بدون خطوة جدية وشجاعة من حماس سيظل الوضع الراهن كما هو لأمد غير معلوم.
وبدون خطاب صريح وواضح وصادق سنظل نحرث في البحر.. ونكرر أنفسنا بصورة مملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق