إسلاميات

قرأت في بعض الكتب عن (جواب الحكيم) فما معنى هذه العبارة؟

وكالة نبض

الجواب: معنى (جواب الحكيم) أن يزيد المفتي في جوابه على سؤال السائل زيادة لا تتم الفائدة من الجواب إلا بها، مثال ذلك: قال صلى الله عليه وسلم -وقد سألته امرأة، كما في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما-: (أنها حملت صبياً صغيراً ورفعته، وقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر.) ، فجواب السؤال تم بقوله صلى الله عليه وسلم: (نعم).

وما سألت المرأة: هل لها أجر أم لا، إنما زادها رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الزيادة؛ لأن الإنسان لا يعمل إلا إذا أُجر، هكذا خلق الله عز وجل الإنسان، لذلك خلق له الجنة والنار كترغيب وترهيب، على خلاف ما ينسبونه إلى بعض الصوفية كـرابعة العدوية وغيرها، التي كانت تقول: لو كنت أعبدك خوفاً من نارك فأحرقني بنارك، ولو كنت أعبدك طمعاً في جنتك فأحرمني من جنتك، وإن كنت أعبدك ابتغاء وجهك فلا تحرمني من وجهك!

ويقولون: إن الذين يعبدون الله عز وجل طمعاً في الجنة وخوفاً من النار إنما يعبدونه عبادة التجار، ويقولون: إن عبادتهم مدخولة؛ لأنهم يقولون: إن الذي يعبد الله طمعاً في الجنة وخوفاً من النار لم يخلص في عمله.

وهذا قول مخالف للآيات القرآنية، ومخالف لأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، قال الله تبارك وتعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] فذكر ربنا عز وجل أن الذي يدخل الجنة قد فاز.

ولا يتصور أن يعبد الرجل ربه بغير أجر وجزاء (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم -كما في سنن أبي داود- وقال له: إني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، ولا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ، فقال عليه الصلاة والسلام: حولها ندندن).

أي: حول سؤال الله الجنة والاستعاذة به من النار ندندن.

فالإنسان إذا لم يعمل لحافز فترت همته، ولذلك فأنت ترى في الدنيا القطاع العام نظامه فاشل، والقطاع الخاص نظامه ناجح، لأن القطاع الخاص يربط الأجر بالإنتاج، لكن القطاع العام مثل الدواوين، هذا الرجل له مرتب سواء عمل أو لم يعمل سيأخذ مرتبه.

القطاع الخاص يقول صاحبه مثلاً: القطعة بدرهم، فحينها يقول: وأنا لماذا أجلس فارغاً؟ أستكثر من القطع لأجل أن أستكثر من الدراهم.. هذا كله بسبب الحافز.

والصحابي الذي قال للنبي عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر: (مالي عند ربي إن قتلت في سبيله؟ قال: لك الجنة. فكان يأكل تمرات، فرمى بالتمرات، وقال: إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات، فقاتل حتى قتل).

فتصور الحوار الآتي:

هل كان هذا الرجل يبادر فيلقي بالتمرات ويدخل في غمرات القتال؟ لا.

وفي أيام قتال ابن الزبير مع عبد الملك بن مروان ، جاء رجل إلى ابن الزبير وقال له: أقاتل معك -وأنا فارس مشهور- فكم تعطيني إذا أبليت بلاءً في القتال يعني؟

قال: أعطيك كذا وكذا.

فقال: أعطني المال؟

قال: حتى نرجع، نقاتل ونرجع.

فتولى عنه الرجل وهو يقول: أراك تأخذ روحي ديناً وتعطيني دراهمك نسيئة.

أي: ما يضمن لي أن أرجع، فالرجل لأنه لم يعطه ابن الزبير ترك القتال معه، فكذلك الإنسان.

فالنبي عليه الصلاة والسلام لما قالت المرأة: (ألهذا حج؟ قال: نعم. -ثم حفزها لما يعرفه من طبيعة الإنسان أنه إذا عمل أجر- قال: ولك أجر) .

لأن الإنسان قد يقول: هذا صبي صغير، وأنا أؤخر الحج حتى يبلغ وتكتب له الحجة، فكان هذا من النبي صلى الله عليه وسلم حافزاً للمرأة، وللرجال الذين يسمعون هذا الحكم حتى يأخذوا أولادهم إلى الحج.

ومنه أيضاً ما رواه أصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء أعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله! إنا نركب البحر، ونحمل القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) مع أنهم لم يسألوا عن حل الميتة، إنما سألوا عن طهورية ماء البحر أهو طاهر؟ فكان يكفي الشطر الأول في الجواب: ( هو الطهور ماؤه) لكن زادهم الرسول عليه الصلاة والسلام حكماً لم يسألوا عنه، وهذا من تمام شفقته عليه الصلاة والسلام بهؤلاء السائلين.

فإذا كان هؤلاء الأعراب استشكلوا طهورية ماء البحر، فلأن يستشكلوا ميتة البحر أولى، إذا كان استشكلوا الشيء المشهور المعروف، فلأن يستشكلوا ما هو أغمض منه أولى، وهؤلاء أعراب يركبون البحر، فقد يغيب الرجل خمسة عشر يوماً في البحر وينفد زاده، وقد يضطر إلى أكل السمك أو أكل حيتان البحر، وليس عنده أي معلومة هل ميتة البحر حلال أم حرام؛ فأشفق عليهم فأفتاهم.

ولو قال شخص: لم يكونوا صيادين.

فنقول: لا؛ لأنه ورد في بعض طرق الحديث أنهم كانوا يصطادون اللؤلؤ، ولو كانوا يصطادون السمك لكان هذا ظاهراً جداً بالنسبة لهم.

لكنهم كانوا يصطادون اللؤلؤ، فربما نفد زاد هؤلاء فظنوا أن ميتة البحر تدخل في عموم الميتة في القرآن، فلا يأكلون، قال الله تبارك وتعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة:3] و(الميتة): اسم جنس محلى بالألف واللام، يفيد العموم، أي: حرمت عليكم كل أنواع الميتة.

وقد يقول شخص: السمك والجراد معروف للناس جميعاً أنه مستثنى من الميتة؟

نقول: لا، هذا معروف لنا، لكن بالنسبة لهؤلاء الأعراب لم يكن معروفاً، فأنت إذا عرفت أن أحد كبار الصحابة المجتهدين لم يكن يعرف هذا الحكم سهل عليك أن تعرف أن هؤلاء الأعراب لا يعرفون الحكم.

فهذا الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، وقد روى خبره هذا البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: أرسلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، وأمر علينا أبا عبيدة بن الجراح ، وأعطاهم جراباً فيه تمر، فكان يعطينا الحفنة من التمر فنأكلها.

فلما كاد التمر أن ينفد كان يعطينا تمرة تمره، فكنا نمصها كما يمص الصبي، ونشرب عليها الماء، فلما نفد التمر أكلنا ورق الشجر -يضربونه بالعصي ثم يطحنونه، ثم يأكلونه، فسمي هذا الجيش جيش الخبط، الذي هو نسبة إلى ورق الشجر الناشف- فظلوا يأكلون ورق الشجر شهراً حتى قرحت أشداقهم.

قال: ثم قذف البحر لنا دابة عظيمة يقال لها العنبر -دابة عظيمة: حوت من حيتان البحر، لكنه عظيم الخلق- قال: وجلس ثلاثة عشر رجلاً منا في وقب عينه -مكان العين هذه مكث فيه ثلاثة عشر واحداً من الصحابة- قال: وكنا نأخذ الدهن من عينه بالقلال.

فأول ما رمى البحر هذا العنبر على الشاطئ قال أبو عبيدة : ميتة! لا تأكلوه -لم يكن عند أبي عبيدة خبر أن ميتة البحر مستثناة من عموم الميتة في كتاب الله عز وجل-. ثم قال لنفسه: نحن جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الله، ونحن مضطرون، فكلوه -إذاً أبو عبيدة أيضاً لما أكل لم يخالف النص القرآني: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:3]، فحمل هذا الأمر على الضرورة، وأكلوا- وأخذوا من لحمه وشائق -أي: وضعوا عليها ملحاً وقددوها-.

فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بذلك قال: (هذا رزق رزقكموه الله عز وجل، فهل معكم منه شيء؟).

فإذا كان أبو عبيدة بن الجراح وهو من هو في العلم حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما وقع طاعون عمواس وأراد أن يخرج قبل أن يعرف الحكم، فقال له أبو عبيدة : أتفر من قدر الله يا أبا حفص ؟ قال: يا أبا عبيدة ! لو غيرك قالها -يعني: كان أدبه، لكن أبا عبيدة كانت له مكانة عند عمر وكان جليل القدر والعلم، وكأنما يقول: أفمثلك في علمه يقول مثل هذا الكلام؟- نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله.

فإذا كان هذا الحكم يخفى على مثل أبي عبيدة بن الجراح فله أن يخفى على مجموعة من الأعراب أولى وأولى، والرسول عليه الصلاة والسلام علم استشكال هؤلاء عن ماء البحر، فأعطاهم هذا الحكم الزائد الذي لم يسألوا عنه؛ رحمة بهم.

ومن هذا الباب أيضاً:

قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، لما ذهب يبحث عن راهب يفتيه: هل له توبة؟ فدل على راهب فأتى إليه، فقال: هل لي من توبة؟ قال: لا؟ فقتله فأتم به المائة، ثم أذن الله له بالتوبة، فسأل عن أعلم أهل الأرض. فدلوه على راهب عالم، فقال له : إني قتلت مائة نفس، ألي توبة؟ قال: نعم، ومن يحجب عنك باب التوبة؟ اخرج إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قوماً يعملون الصالحات. قال: (ألي توبة؟ قال: نعم).. وهنا تم الجواب.

كل الزيادة القادمة هذه من تمام (جواب الحكيم) لا تتم الفائدة، ولا ينتفع هذا الرجل إلا بتمام الفتوى.

(ألي توبة؟ قال: نعم.-الزيادة- (ومن يحجب عنك باب التوبة؟ اخرج إلى أرض كذا وكذا فإن فيها قوم يعملون الصالحات).

أول زيادة: فيها أمانة العالم، وأن العالم أمين على دين الله تبارك وتعالى لا يطلب مكاسب شخصية، ولا يحقق بطولات على حساب النصوص.

(ألي توبة؟ قال: نعم، ومن يحجب عنك باب التوبة؟) أي: لا أحد على الإطلاق يحجب عنك باب التوبة، لأنه يقع في أذهان كثير من العوام: أن العلماء يملكون التوبة، ولذلك يأتيك الرجل العاصي وهو متصور أن القرار إنما أنت تعطيه. ألي توبة؟ إذا قلت: نعم، لك توبة؛ استراح، وإذا قلت: لا توبة لك، إذاً: أنت كأنك أغلقت باب الأمل عليه، فهو يأتي على أساس أنك أنت تملك هذا الحق، كثير من الناس يتصور ذلك.

كنت ذات مرةً أخطب الجمعة في القاهرة، وتكلمت عن حكم الزاني المحصن، وقلت: إن الرجل إذا زنى وهو متزوج حكمه الرجم، وقلت: إنه يحفر له حفرة في الأرض، ثم يدفن، ثم يرجم بالحجارة في رأسه حتى يموت.

ثم بعد الخطبة وأنا خارج من المسجد وجدت رجلاً يتجاوز السبعين من عمره وهو واقف على الباب وهو يرتعد، فأنا قلت: هذا الرجل كبير، ولعل هذه الرعشة عنده بسبب مرض معين أو كبر في السن.

فناداني، وقال لي: أريدك في موضوع خاص!

فوقفت معه.

فقال لي: أنا زنيت مدة عشرين سنة، وقُتلت بنات أبكار بسببي.

أي: أنه يضاجعها في الحرام فتحمل، فأهلها يكتشفو القضية فيقتلونها.

وأنا سمعت هذا الحكم الذي ذكرته فذهبت إلى البيت -وبيته على بعد نحو كيلومتر من المسجد- ودخلت البيت، فأردت أن أجلس على الكرسي فلم أستطع، وكأن الكرسي هذا نار! ومدة الطريق وأنا خائف ومرعوب مما سمعت، فما استطعت الجلوس، فرجعت مرة أخرى أسألك: هل لي من توبة؟

الرجل يتكلم وكأنه يكلم من له الحق في قبول التوبة -يعني: هو منتظر قبول التوبة منك- فالرجل يكلمني وكأنه من حقي أنا أن أقول: فعلاً تقبل توبتك أم لا؟ فكثير من الناس يظن أن العالم بيده أن يتوب الله على الناس، فهذا الرجل أمين -وهذه هي طبيعة العلماء- يبين ما له الحق فيه وما ليس له الحق فيه، لما قال: ألي توبة؟ قلت: نعم، ومن يحجب عنك باب التوبة؟

والحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في الجمعة إذ جاءه أعرابي، فقال: يا رسول الله! هلك الزرع والضرع ونفقت الماشية، فادع الله أن يسقينا، قال أنس : وكانت السماء صافية ما فيها قزعة -أي: سحابة- قال: فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا.. ورفع إصبعه إلى السماء) فالخطيب إذا كان على المنبر لا ينبغي له أن يرفع يديه، بل هو خطأ.

وفي صحيح مسلم من حديث عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه: (أنه رأى بعض أمراء بني أمية يخطب على المنبر، فرفع يديه إلى السماء، فقال: قبح الله هاتين اليدين، ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه، إنما كان يشير بإصبعه).

فالخطيب على المنبر لا يرفع يديه، إنما يرفع إصبعه إلى السماء إشارة إلى التوحيد.

فرفع النبي صلى الله عليه وسلم إصبعه إلى السماء، وقال: (اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا؛ فتكاثر الغمام في السماء، وما نزل النبي صلى الله عليه وسلم من على المنبر إلا والمطر يتحدر من على لحيته.

قال: وخرجنا إلى بيوتنا نخوض في الماء، وظللنا لا نرى الشمس جمعة).

في الجمعة التالية جاء هذا الأعرابي وقال: (يا رسول الله! هلك الزرع والضرع، ونفقت الماشية، فادع الله أن يحبس عنا الماء، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أشهد أني عبد الله ورسوله) حتى لا يظن ظان أن نزول المطر منه، أو أنه يسمع الناس يتحدثون أنه هو الذي أنزل المطر فيرتاح لذلك ويتركهم على الاعتقاد الخاطئ، فبعض الناس إذا أشيعت عنه شائعة، كأن يقال: إن فلاناً الفلاني دعا على فلان فانهدم البيت عليه ما انهدم البيت إلا بسبب زلزال طبيعي مثلاً، لكنه صادف الدعوى سقوط البيت، فيقول لك: هذا هو الذي دعا عليه، وهو يسمع الناس يتحدثون عنه بهذه البطولة، فيفرح بذلك ويقول: دع القصة تنتشر بين الناس، والناس يفهمون أن هذا الرجل بركة، وإذا دعا دعوة تستجاب دعوته مباشرة.

لا، هذا ليس من الأمانة، قال الرسول عليه الصلاة والسلام : (أشهد أني عبد الله ورسوله) أي: هذا ليس بحولي ولا بقوتي، وقال هذا حتى لا يضل الناس ويخرجوا من حظيرة التوحيد.

ولما مات إبراهيم كسفت الشمس، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم ؛ ففزع الرسول عليه الصلاة والسلام من هذا القول، فقال: (الصلاة جامعة! ونادى الناس، وصعد المنبر، وقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاهرعوا إلى الصلاة) .

فأنكر على الناس أن يربطوا بين كسوف الشمس وبين موت ولده إبراهيم، وهكذا ينبغي للعالم أن يكون أميناً على دين الله تبارك وتعالى.

 

فهذا الرجل نفى الحول والقوة، وقال: لا أحد يستطيع على الإطلاق أن يحجب عنك باب التوبة، ليس في سلطان أحد، بل العبد إذا تألى على الله عز وجل وانتزع هذا الباب أدخله الله النار.

وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال رجل لأخيه: والله لا يغفر الله لك. فقال الله عز وجل له: من ذا الذي يتألى علي؟ قد غفرت له وأحبطت عملك) ، فحبط عمله لمجرد أنه تألى على الله تبارك وتعالى.

وفي سنن أبي داود ومسلم والإمام أحمد بسند صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان رجلان متواخيان في بين إسرائيل، أحدهما مجد والآخر مقصر، فلا زال المجد بالمقصر ينهاه عن معصية الله عز وجل، حتى قابله ذات يوم فأكثر عليه، وقال له: لا يحل لك أن تفعل ذلك؛ فضج منه الرجل المقصر، وقال: أبعثك الله علي رقيباً أم جعلك علي حسيباً؟ خلني وربي. فقال المجد له: والله لا يغفر الله لك. فقبض الله عز وجل روحهما وأوقفهما، وقال للمجد: أكنت على ما في يدي قادراً أم كنت بي عالماً، خذوه إلى النار، وغفر للمقصر).

فالعالم له حدود يقف عندها، ومن هذه الحدود أنه إذا سئل: ألي توبة؟

يقول: إذا تبت إلى الله عز وجل توبة نصوحاً غفر لك؛ بمقتضى الأدلة العامة القاطعة بأن الله عز وجل يغفر التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، تقول هذا.

يأتيك رجل يقول: أنا فعلت كذا وكذا وكذا .. ولم أترك شيئاً في الحج إلا فعلته، هل حجي مقبول؟

لا تقل له: حجك مقبول؛ لأنك لا تدري أمقبول أم لا، لكن قل: حجك صحيح.

صليت صلاتي الآن وخشعت، وحاولت أن أخشع: هل صلاتي مقبولة؟ لا تقل: صلاتك مقبولة؛ لأنك لا تدري أقبلت صلاتك أنت أم لا؛ فضلاً عن علمك بصلاة الخلق، ولكن قل: صلاتك صحيحة، أما مسألة القبول من عدمها فهذا ليس إلى أحد على وجه الأرض.

ثم قال له: (اخرج من أرضك أرض السوء، واذهب إلى أرض كذا وكذا فإن فيها قوماً يعملون الصالحات).

سئل ابن القيم رحمه الله عن دواء العشق، رجل ابتلي بحب امرأة وأراد أن يتوب، كيف يتوب؟

قال: يخرج من الأرض التي لقي المرأة فيها.

لأن كل شيء في هذه الأرض يذكره بها، والإيمان يزيد وينقص، يعني: ما يعمل هذه الأيام كل شخص يأخذ مسماراً ويحفر على شجرة فيرسم صورة قلب أو كذا، ويرسم سهماً في وسطه، فكلما نظر القلب يتذكر أيام قعوده إلى جانب الشجرة، وأيام قعوده في المكان الفلاني، ويمشون في المكان الفلاني.

فقد يوافق أن يكون عنده هبوط في الإيمان فيرجع مرة أخرى إليها.

وذكر في قصص العاشقين قصة قيس مع ليلى -وهذا قيس رجل مشهور بالعشق على مستوى عالمي- أنه لما رحلت ليلى من بلدها طاف قيسبعدها كالمجنون يقبل جدران القرية التي كانت ساكنة فيها، فكان يقابلها في نفس المكان، ويتحسس كل جدران القرية ويقبلها! وهو يقول:

أمر على الديار ديـار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدار!

وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار!

فالرجل قد يصادفه ضعف إيمان؛ فيرجع مرة أخرى إلى العصيان، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: يخرج من الأرض، ولا يبقى في مكان يذكره بها.

فتصور رجلاً قتل مائة نفس في بلد.. إذاً: لا أحد في هذه البلدة يجرؤ على الإطلاق أن يأخذ على يده، وأنت ربما تجد له بطانة سوء في هذه الأرض، ليس شخصاً واحداً -مثلاً- هو خائف منه، والمثل يقول: (إذا لم تعرف تقضي على عدوك صاحبه).

فهذا رجل سفاح .. يقتل الناس .. أنا أريد أن أنجو منه؛ أبقى صاحباً له، أبقى أنا الذي أحمل له السكينة، وآتي له بالضحية، وأعمل له الفخوخ، وكل هذا لكي أتقيه.

وربما يكون الرجل تاب وأناب، وبدأ يأخذ جانب السلام والمسالمة، فيأتي شخص من الناس ويقول له: إيه يا أبا السباع! مالك أنت لم تعد تقتل، هل أنت خائف أو مريض؟! ثم إنك لو مشيت (بالدروشة) هذه سيدوسون عليك، ويطلبون منك القصاص… وهكذا يعظمها في دماغه، حتى يجعله يرجع إلى القتل مرةً ثانية.

وآخر يأتي له بشبهة ويلبسها لباس الشرع، ويقول له: هؤلاء أهل القرية ظلمة يستحقون القتل، ودماؤهم حلال، أنت أرسلك الله عقاباً لهم لأنهم ظلمة، فأنت تطهر الأرض من أمثال هؤلاء الذين ملئوا الأرض فساداً وهكذا!!

حتى يتصور الرجل أن المسألة هذه قربة إلى الله عز وجل.

وهذا رجل من قصته أن أي شخص يريد قتل فلان من الناس يأتي إليه ويعطيه أجرة لأجل أن يقتله، فكان هناك امرأة زوجها قتل، فذهبت إلى الرجل هذا وقالت له: إن فلاناً قتل زوجي وأنا أريدك أن تقتله.

قال لها الرجل: كم تدفعي؟

فالمرأة بكت وولولت وقالت: أنا أربي أيتاماً، وفقيرة ولا أجد مالاً.

فالرجل حن لها، وقال: سأقتله لوجه الله.

فهناك بعض الناس قد يلبس المسألة لباس الشرع، فيقول له: الناس هؤلاء دماؤهم حلال، وكان يجب أن يعاقبوا من زمان بالقتل.. وكذا.

فهذا الرجل لابد أن يخرج من الأرض التي مارس فيها العصيان، لاسيما إذا كانت هذه الأرض التي ولد وترعرع فيها، يكون فيها شيء يجذب الإنسان إلى هذه الأرض ولا يخرج منها.

وهناك قصة لطيفة طريفة بهذا المعنى:

يذكر أن رجلاً تزوج بامرأة ثانية، وأخذ للمرأة الثانية سكنناً بجانب المرأة الأولى، وأخدم كل امرأة بجارية، فجارية المرأة الثانية نظرت في الصبح كذا .. فوجدت جارية المرأة الأولى جالسة على الباب فأنشدت لها هذا البيت، فقالت:

وما تستوي الرجلان رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلتِ

تقصد من هذا البيت أن المرأة الثانية -وهي الرجل الصحيحة- ما زالت شابة وجديدة، وأن المرأة الثانية -وهي الرجل المشلولة- لا قيمة لها، ولو قطعت لا تؤثر على صاحبها.

فردت عليها جارية المرأة الأولى، فقالت -ونعم ما قالت!- لها:

نقل فؤادك حيث شئت من الهـوى ما الحب إلا للحبيب الأولِ

كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منزلِ

الإنسان يمكن أن يذهب في أماكن كثيرة جداً وبيوت، لكن الحنين الدائم إنما هو لأول منزل الذي ولد الإنسان فيه، وشهد ملاعب صباه، فهو شديد الحنين للمكان الأول الذي ولد فيه.

فتصور أن هذا الرجل الذي ولد في هذه الأرض، ومارس الإجرام فيها، وصارت له بطانة سوء في هذه الأرض، كم من الفساد يترتب على بقائه في هذه الأرض؟

إذاً: فحتى تتم توبته لابد أن يخرج من أرضه التي مارس فيها العصيان إلى أرض جديدة، مع أناس جدد ليس له صولجان فيهم، ولا إرهاب، ولا قتل، فإذا أراد أن يمارس العصيان فيأخذون على يده؛ لأنهم ليس عندهم علم بتاريخه الطويل في الإجرام، فلذلك قال له: اخرج من أرضك أرض السوء.

والأرض هذه ورد في بضع الروايات أنه كان اسمها (كفرة) والأرض التي أمره الراهب أن يخرج إليها كان اسمها (نصرة).

فسبحان الله! الأرض هذه أثر فيها الفساد من اسمها، والأرض هذه غلب فيها الخير من اسمها، ولذلك أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام بإحسان الأسماء؛ لأن الاسم هو وعاء الإنسان، وكل إنسان له من اسمه نصيب، فمثلاً: شخص يسمي ابنه (خيشة)، عندما يكبر يمسح به البلاط؛ لأن له من اسمه نصيب، فالرسول عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية عندما جاء عروة بن مسعود الثقفي وذهب، وجاء أناس من قريش وذهبوا، فأرسلت قريش سهيل بن عمرو .

فأول ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم، التفت إلى أصحابه وقال: (سهل لكم أمركم) أخذ السهولة من اسمه، وفعلاً جاء الفتح بعد هذا التشدد مباشرة، واتفقوا على أن توضع الحرب بينهم، وأن لا يعتمروا هذا العام، وإنما في العام المقبل، ثم قال سهيل : وإذا جاءك رجل منا مؤمن ترجعه إلينا، وإذا خرج رجل من عندكم كافر لا نرجعه إليكم.

فقال الصحابة: سبحان الله! من يقبل هذا؟ رجل يأتينا مؤمن فنرجعه إلى الكفار!

المهم أنهم لا زالوا يتكلمون بهذا الكلام، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده وقد أسلم، فكتفه أبوه بالحديد وسجنه، فاستطاع أنه يهرب من السجن ويجري في حديده من مكة إلى الحديبية.

وضعوا في رجليه الحديد، فوصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأول ما وصل أصبح في منتهى الإعياء والتعب.

فـسهيل أول ما رأى ابنه قال: يا محمد! هذا أول ما أقاضيك به، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنا لم نقض الكتاب بعد) أي: لم نكتبه بعد. قال له: لا، لا أكتب حتى ترده.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعه لي، اتركه لي.

قال له: لا.

فقال لـأبي جندل : (ارجع) .

فغضب المسلمون، وقالوا: كيف يرجع؟ وأبو جندل أيضاً استثار عاطفتهم، قال: ألا ترون ما أنا فيه؟ -وكان قد عذب في الله عذاباً شديداً- ترجعونني إلى الكفار؟ فصعب على المسلمين كلهم، ومع ذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ارجع) .

لم يمض كذا شهر إلا وأبو جندل قد اتخذ مأوىً له في ساحل البحر، وكون عصابة، لا يسمعون عن قافلة من قريش إلا أغاروا عليها فقتلوا رجالها وأخذوا الأموال.

حتى أرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم أن يضمهم إليه وأن من هرب منهم لا يرد؛

لأنهم أحدثوا فساداً عظيماً؛ فأنزل الله عز وجل : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:1] الذي هو صلح الحديبية، وليس فتح مكة، فانظر النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (سهل لكم أمركم) وفعلاً سهل الأمر، طالما أنه جاء متشدداً، غاية التشدد في بنود الصلح، ومع ذلك جاء الفتح، فأخذ هذا الفأل من اسمه.

وفي كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري ، عن سعيد بن المسيب بن حزن قال: (جاء جدي حزن إلى النبي صلى الله عليه وسلم -والحزن ضد السهل الذي هو المكان المنبسط، والحزن: المكان المرتفع- فجاء حزن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما اسمك؟ قال: اسمي حزن، قال: بل أنت سهل، قال: لا أغير اسماً سمانيه أبي، فقال سعيد بن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد) التي هي الحدة، توارثوها مثلما يتوارث المال، وكذلك الأخلاق تورث.

فتجد رجلاً حليماً عاقلاً فإنه يورث هذا الخلق لأولاده، والحزونة هي الحدة والشدة في الخلق، ليته قال: قبلت، إذاً: لتبدل خلقه، فالإنسان وعاء يوضع الاسم فيه.فانظر هذه الأرض اسمها (كفرة) وهي مناسبة للفجور والقتل والدمار الذي عمله هذا الرجل.والقرية التي أمره أن يذهب إليها اسمها (نصرة) من النصر، فأمره أن يخرج إليها؛ لأن الأرض التي فيها صالحون أرض خيرة، لا يستطيع المجرم أن يمارس عصيانه في وسط الأبرار أبداً، وهذه ميزة بقاء الصالحين في المكان، لأن خروج الصالحين من المكان جريمة في حق المكان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق