أقلام وآراء

المشهد القاتل

ثمان سنين عجاف قضاها ابو نديم وأم نديم وأخوة نديم في ملاحقة شريرة لقاتل نديم

من محكمة لمحكمة ثم ملفات ثم شهود ثم ادلة ثم تفتيش على المداخل وقبل ذلك استصدار التصاريح لدخول كل محكمة.
ومقابلات صحفية واخبار هنا وهناك.
ثمان سنين قضاها ابو نديم وحيدا يبحث عن اي دليل يثبت ان نديم قد قتل عمدا فلم تكف شهادة وفاة ولا تصوير صحفي لعملية القنص ولا شهود ولا رصاصة اخترقت حقيبته وكتبه المدرسية لتستقر في قلبه الصغير، لم يكف كل ذلك لاقناعهم ان نديم قد قتل عمدا متعمدا.
ثمان سنين من غياب أبدي لنديم لا ضحكة ولا شقلبة ولا قبلة ولا طاقية كاسكيت اعتاد لبسها والقاءها في أنحاء البيت.

يأتي آخر يوم ليسدل الستار على مسرحية العدالة الوقحة للنطق بالحكم على قاتل في محكمة القاضي والادعاء والدفاع فيها في طرف واحد وأبو نديم يبحث بيأس عن ادلة وأدلة ليصرخ بوجههم نديم ابني انا اعرفه نديم لطيف مبتسم حنون نديم ….
ويسألني ابو نديم “شفتيه” وارد انا “مين” ويقول “القاتل” وانا ارد “وين” ويرد “كان واقف جنبنا على المدخل للتفتيش”
ويصيبني الذهول؟ ولا استطيع الرد.

تمتلئ القاعة الخارجية للمحكمة بالصحفيين يحملون كاميرات وهواتف نقالة وقلما وورقة لاهثين بحثا عن خبر لا يلقى في جوفهم اي صدى سوى بضع كلمات يتلقاها متابعوهم دونما اكتراث. معظمهم اسرائيليون يغطون حدثا جللا لديهم ! نعم ينتظرون بشوق سماع قرار هل يعقل ان يحدث؟ هل يعقل ان تتم ادانة دوري ؟ هل يعقل ان يتم حبس دوري وهو البريء ذو الذنب الوحيد انه كان يتسلى بدماء شاب فلسطيني لا يزيد ولا ينقص عليهم في شيء؟
يتجمع الجميع امام باب القاعة ويبدأون بالدخول.
يدخل المحامي الأنيق ذو البدلة الباهظة والشعر الأبيض المتهدل ويقف وقفة عنجهية
ويظن نفسه بطلا منتشيا بانقاذ قاتل ذنبه الوحيد انه قنص فلسطينيا! فما هي قيمة حياة نديم عنده او عند امثاله؟
القاعة صغيرة ولو اتسعت لألف فهي لا تتسع لكم الظلم المتماثل في جريمة قتل نديم والظلم الأعظم في مسرحية محاكمة قاتله.
وابحث عن مكان في ثلاثة صفوف من المقاعد للحضور دونما مقاعد المحامين والمتهم.
يجلس من جهة اليمين أهل نديم ومن جهة اليسار أهل القاتل ولا اجد سوى موقعا في المقعد الخلفي بين الجهتين على خط النار.
امامي على اليمين أحباء نديم
وعلى اليسار أحباء القاتل
وعلى يساري ثلاثة من ذوي اللحى يفيحون عنصرية وتنطلق من اعينهم شرارة حقد تقول نقتلكم ولنا الحق.
ويحاجج الحراس ذوو القاتل ليدخلوا اكبر عدد من الحضور ليشهدوا مشهدا مفخرة لهم لقد سفح دم فلسطيني اخر وليحيطوا حبيبهم القاتل بالحب والدعم على فعلته هذه.
ويقف هو في موقف المتهمين. يرتدي بلوزة سوداء تلتصق ببدنه مع بنطال اسود مشقوق عند الركبتين وحول عنقه يلتف سنسأل ذهبي يلمع مع ارضية بلوزته السوداء حلق رأسه بالكامل وابقى لحية خفيفة ليظهر بمظهر يقول ببساطة انا قاتل جميل وغير مبالي انا “كوول”.
تدخل امه وابوه واصحابه وأقرباؤه
حضر الجميع وكان نديم غائبا
في دولة احتلال تحاكم نفسها
المتهم بريء حتى وان تمت ادانته.
الدقائق قاتلة والامل العبثي يخدعنا بأننا قد نسمع ما يشفي غليلنا! ويحك أيها الأمل ! الم تعلم ان العدل هو الله فكيف تسرح بِنَا بحثا عن عدالة تائهة بين جدران العدو!
يدخل القاضي فيقف الجميع ويبدأ بقراءة قراره بسرعة غير معتادة من القضاة وكأنه يريد ان ينهي ملفا ثانويا بحيث تفرغ القاعة من ثقل خفي. ثقل حياة انتهت بيد من يقف أمامه دون ان يكون لهذه النهاية اي وقع لديه فيبدأ بامتداح القاتل وتعاونه مع المحكمة وتقصيره وتوفيره التعب على المحكمة!!! ايعقل هذا؟ يمتدح تخفيفه على وقت المحكمة قبل ان يصرخ انه قاتل! لا يا اعزائي دعونا لا نخدع أنفسنا فهو ليس بقاتل أمامهم انه جندي وفِي امين خدم دولته بان أنهى حياة فلسطيني مشؤوم آخر ولتلافي الحرج نعقد مسرحية محاكمة هزلية علما بأننا لا نقيم للحرج وزنا. ويتلو قرار ادانة القاتل بتهمة القتل بالإهمال ويحكم عليه بالسجن تسعة أشهر وغرامة مالية لأهل “القتيل” خمسين الف شيكل. لن أخوض في الحكم ولن أخوض في القرار فهو بحد ذاته انعكاس لما هي هذه المحاكمة.
يسدل الستار على فاجعة تسكن قلب أهل نديم. يخرجون من القاعة على وقع دموع ام القاتل تبكي غيابه عنها بضعة ايام بينما تبكي ام نديم غياب نديم عمرا!
ويحك أيها الظلم
ويحك أيها الاحتلال
ويحك أيها القاتل
لم استطلع التقاط اي صورة لذوي نديم فلا اعتقد ان اي عدسة بامكانها ان تتسع لكم القهر الذي يملأ قلوبهم وعيونهم لا ادري اذا ما كان بإمكان اي عدسة ان تحتمل كم الظلم الذي تعايشه هذه العائلة.

يغادر القاتل القاعة متشحا بالسواد كالسواد الذي يملأ قلبه وقلب من معه بينما يرفرف جسد نديم بكفن طاهر ابيض الى بارئه.

يمهل ولا يهمل

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق