رئيسيشؤون إسرائيلية

إسرائيل : بين الحرب على” لبنان ” وجرجرة أذيال الخيبة

بينما تتصاعد لهجة التهديد التي تطلقها الحكومة الإسرائيلية ضد النشاط الإيراني في سورية ولبنان، بشكل يترافق مع جهود على الساحة الدولية لممارسة الضغوط على إيران، فإن إسرائيل تجد نفسها، بحسب تحليلات إسرائيلية، بين خياري المبادرة إلى الحرب على لبنان، بذريعة إقامة مصانع للصواريخ الدقيقة فيها، وبين جرجرة أذيال الخيبة دون تحقيق أي شيء، باعتبار أن التهديدات والضغوط الدولية قد لا تكون أسبابا كافية لردع إيران عن مشاريعها.

وكتب محلل الشؤون العسكرية في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أليكس فيشمان، اليوم الثلاثاء، أن سلسلة الرسائل العلنية التي أرسلتها إسرائيل في الأيام الأخيرة، وخاصة إلى الحكومة اللبنانية، ولقاء رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، يوم أمس الإثنين، لا تبقي مجالا للشك في أن إسرائيل تقترب بخطوات كبيرة إلى “حرب لا بد منها”، وبكلمات أخرى “المبادرة إلى الحرب”.

ولفت إلى أن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي نشر، يوم أمس الأول الأحد، مقالا في مواقع لبنانية معارضة هدد فيه بأنه “في حال سمح لبنان بإقامة مصانع للصواريخ الإيرانية فسوف نهاجمها بشكل دقيق”. كما أشار إلى تصريحات وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان، والتي جاء فيها أن “إسرائيل حازمة في هذا الشأن، والحزم في مثل هذه الحالات يعني تفعيل القوة”.

كما أشار إلى أن الروس نشروا، يوم أمس، صورة يظهر فيها رئيس الاستخبارات العسكرية والسكرتير العسكري لرئيس الحكومة والملحق العسكري في موسكو وهم يوجهون الحديث إلى وزير الدفاع الروسي، سيرجي شويغو، قبل الدخول إلى مكتب بوتين.

واعتبر فيشمان أن ذلك لم يكن محض صدفة، حيث أن إسرائيل تمارس ضغوطا مركزة في محاولة لردع الإيرانيين من إقامة مصانع للصواريخ الدقيقة في سورية ولبنان، وبذلك يكون المتحدث العسكري قد توجه إلى اللبنانيين، بينما يتوجه ليبرمان إلى الرأي العام الإسرائيلي، في حين يتوجه نتنياهو إلى الروس لدفعهم إلى تفعيل نفوذهم.

وبحسبه فإن هذه الطريقة نجحت في “الجولة السابقة”، حيث أن التقديرات الإسرائيلية كانت تشير، في العام الماضي، إلى أن إيران حاولت إقامة مصنع لتركيب الصواريخ الدقيقة في لبنان، وذلك بهدف تجاوز القدرات الإسرائيلية على استهداف الصواريخ التي ترسل من سورية إلى لبنان. وبحسب مصادر أجنبية فإن المصنع قد تم حفره تحت الأرض، وأن إسرائيل اكتشفت ذلك بشكل مؤكد.

ويعتبر المحلل العسكري أنه من الجائز الافتراض أن استعراض القوة الإسرائيلي والرسائل السياسية قد أدى، في حينه، إلى وقف المشروع بينما كان لا يزال في بداياته، كما أنه من الجائز الافتراض، بناء على ما نشر يوم أمس، أن إيران لم تتنازل عن المشروع، بل نقلت ذلك إلى مكان آخر في لبنان.

يذكر في هذا السياق، أن تقارير إعلامية سابقة كانت قد أفادت أنه في السابع من أيلول/سبتمبر الماضي استهدف الجيش الإسرائيلي مصنعا للصواريخ الدقيقة أقامته إيران في المصياف في سورية، قرب مدينة حماة.

وبحسب فيشمان، فإن “حرس الثورة وحزب الله يعيشون حالة من الغطرسة من النصر الساحق الذي حقق، بحسبهم، في سورية والعراق ولبنان. ولم يكترثوا بتهديدات المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي فحسب، بل شكلوا تهديدا على إسرائيل من خلال التحصينات التي تقام على حدود لبنان. وفي المقابل، فإن التهديدات التي تطلقها إسرائيل باتجاه لبنان وسورية وإيران في قضية مصانع الصواريخ تضعها في منزلق بموجب نظرية الردع”.

ويضيف أن إسرائيل “تتسلق شجرة عالية، وتعرف مسبقا أنها إما ستسقط وتجرجر أذيال الخيبة دون أن تحقق شيئا أو تضطر لتفعيل القوة”.

ويخلص فيشمان إلى أنه في حالة الهجوم على لبنان فإن “الحديث بشكل مؤكد بدرجة عالية عن التوجه إلى الحرب، بينما تكون احتمالات ردع العدو منخفضة، حيث أن الردع الكلاسيكي يكون عندما تهدد عدوا بألا يمس بك في أرضك، ولكن إسرائيل هنا تطالب العدو بالامتناع عن الفعل في أراضيه، وإلا سيتم استهدافه. وبالتالي فإنه من ناحية الشرعية الدولية ومن الناحية التاريخية فإن احتمالات تقبل هذا التهديد في وسط المجتمع الدولي بما يدفع العدو إلى وقف فعله في أرضه هو ضئيل جدا”.

ولفت في هذا السياق إلى أن ليبرمان واع لهذا المنزلق، حيث أنه لدى سؤاله، يوم أمس، لماذا لا تهاجم إسرائيل الآن وتدمر مصانع الصواريخ في لبنان، أجاب أنه يمكن العمل بوسائل أخرى وليس فقط بواسطة القذائف، مضيفا أن “الدخول في حرب ثالثة مع لبنان هو آخر شيء يسعى إليه”.

كما يشير هنا إلى أن ليبرمان يعتمد في ذلك على حقيقة أن “إسرائيل تلقى آذانا صاغية في موسكو، فالروس يدركون أن نتنياهو هو الزعيم الأخير في العالم الذي يحتفظ بعلاقات جيدة مع بوتين وأيضا مع ترامب، وبالنسبة لهم فهو أداة عمل حيوية مقابل الأميركيين، كما يمكن توظيف تهديده في تقليص مدى النفوذ الإيراني في المنطقة”.

وينهي المحلل العسكري بالقول إن ذلك يبدو جيدا من الناحية النظرية، ولكن على أرض الواقع فإنه إذا واصل الإيرانيون حفر مصانع الصواريخ، فإن إسرائيل ستظل عالقة على الشجرة التي تسلقتها وتضطر إلى اتخاذ قرار: “هل ستكون إقامة مصنعين أو ثلاثة مصانع للصواريخ في لبنان سببا للمبادرة إلى الحرب أم لا؟”، وسيتوجه على الحكومة أن تعرض هذه المعضلة على الجمهور “حرب لا بد منها أم الحياة تحت تهديد متصاعد للصواريخ الدقيقة”.

وفي السياق ذاته، كتب المحلل عوديد غرانوت، في صحيفة “يسرائيل هيوم” أن زيارة نتنياهو لموسكو هي استمرار مباشر للقائه معه في سوشي في آب/ أغسطس الماضي، كما أن استمرار اللقاءات في روسيا يشير إلى أن إسرائيل لا تزال قلقة مما يحصل على حدودها الشمالية.

وأضاف أن موسكو هي العنوان في هذا الشأن، وأن بإمكانها أن تشكل رافعة ضغط جدية على إيران.

وبحسبه، ورغم أن روسيا تعتبر إيران “حليفا إستراتيجيا” وأنها بحاجة إليها للدفع بتسوية سياسية لإنهاء القتال في سورية، إلا أن هذه المصالح ليست متطابقة، بل تكون متضاربة أحيانا، حيث أنه، على سبيل المثال، ليس من الواضح ما إذا سيكون لإيران حصة اقتصادية من عملية إعادة الإعمار في سورية عندما تبدأ.

ويقول إنه رغم “التحالف الإستراتيجي” بين روسيا وإيران، فإن إسرائيل تمكنت من “تشخيص فجوات في المصالح بين الطرفين”.

ويضيف أن روسيا، التي تتجاهل حتى اليوم الهجمات المنسوبة لسلاح الجو الإسرائيلي في سورية، تدرك جيدا أنه إذا اضطرت إسرائيل لشن هجوم على لبنان لإحباط عملية تحديث الترسانة الصاروخية لحزب الله، فإن ذلك قد يؤدي اشتعال الأوضاع بما يشكل تهديدا لمصالح روسيا في الشرق الأوسط ويثقل على إنجازاتها في سورية.

وينهي بالقول إنه ليس من الواضح مدى استعداد بوتين للمساعدة في صد إيران، إلا أنها تبقى العنوان الرئيسي وربما الوحيد بالنسبة لإسرائيل، حيث أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي يعمل على تعديل الاتفاق النووي لم يتعهد بدعم إسرائيل إذا عملت على “إبعاد الخطر الشيعي عن حدودها”، على حد تعبيره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق