أقلام وآراء

الشرعية والمشروعية وصائب عريقات

بدا لافتاً خلال السنوات الماضية، استخدام بعض قدامى وجُدد العمل الوطني، مصطلح الشرعية، للإشارة الى رئيس السلطة الفلسطينية. ويُعد هذا الاستخدام منطقياً من حيث المبدأ، لا سيما عند الإشارة الى انقلاب عسكري على النظام السياسي، بعد عامين من انتخاب هيئاته ومراتبه. ففي فلسفة السياسة وعلومها، ترتكز الشرعية على عنصر أخلاقي وقانوني ومنطقي، تعتمد عليه السلطة في مطالبة المواطنين بالطاعة، على قاعدة الرضا الذي عبروا عنه في انتخابات حرة ونزيهة. لكن استمرار الحكم، بعد انتهاء ولايته المحددة في الوثيقة الدستورية، ثم ارتسام فجوة هائلة، بين الشرعية التي تأسست له في مرحلة محددة، ومشروعية القرارات والتدابير، التي فارقت محددات القانون والدستور؛ يجعل الامتثال الشعبي للحكم، أو الرضا عنه، أمراً عسيراً، وينقسم الناس بين كثرة تؤكد على أن الحكم فقد شرعيته بسبب لا مشروعية قراراته فضلاً عن انتهاء ولايته، وقلة تعاند وتقول كما في المماحكات، إنها شرعية وكفى، وهذا موقف يسمى “الاعتقاد في الشرعية” حسب تعبير عالم الاجتماع السياسي الألماني البديع ماكس فيبر. وعلى الأرجح، هو ليس اعتقاداً، وإنما تحسساً لمصالح هذه القلة من قبل موالين مذعورين، يتحاشون احتباس رواتبهم!

في الحالة الفلسطينية، هناك شرعية لا ينكرها إلا جاحد، وهي شرعية الحركة الوطنية المعاصرة. لكن المشكلة تكمن بمن حلّوا في داخلها، بينما هم، في لغتهم ونعراتهم وممارساتهم وقراراتهم، أبعد ما يكون عن تقاليد الحركة الوطنية ووجهتها، وأبعد كثيراً عن الرضا الشعبي، ويحتقرون مفهوم العدالة في الحكم، ويسيئون في إدارة حياة المجتمع!

عند أخذ الأمثلة، يمكن أن نبتعد عن الرأي العام الفلسطيني، وهو ذو وُجهة معلومة تنم عن فقدان الحكم الفلسطيني للرضا الشعبي، وأن نتحدث عن آراء رجالات من داخل المجموعة التي استحوذت على دور أصحاب الحق في شغل مناصب الشرعية، وهؤلاء يُفترض أن يكلفهم الشعب. فأخونا د. صائب عريقات، واحد من قلب المجموعة، والأقرب الى عباس، وكان هو تحديداً خياره في شغل منصب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أي المنصب نفسه الذي قفز منه عباس الى الحكم، من منطلق شرعية “المنظمة”. فصائب هذا، أمده الله بالصحة، سُمع عبر حديث مسجل، يُعدد مآخذه على رئيس السلطة، وللمرة الثانية، في شريط جديد، يكرر القول ما معناه إن المشهد الفلسطيني ليس مزرعة لأب محمود عباس. ويشرح قائلاً ويحذر: عليه أن يستخدم الأوراق التي في يده، وأن يعتمد خيار البناء الوطني، وإلا فإنه سيلقى الإهانة.

كان ذلك في نصيحة سديدة، اقتصر موضوعها على السياسة، وعلى استخدام الأوراق التي يمتلكها عباس للضغط على الاحتلال وتحجيم نتنياهو حسب قوله. وفي المضمون، يراهن صائب على استفاقة عباس، بينما الشعب الفلسطيني يراهن على غيابه المرتجى. وحديث صائب بحد ذاته، برهان موالاة، من رجل متخصص في كيمياء المفاوضات، التي كان موضوعها أطروحته للدكتوراه في العلوم السياسية في إحدى أهم الجامعات في الولايات المتحدة، أي إنه يعرف عن المفاوضات ومنعرجاتها ومحاذيرها وبيئتها وسياقاتها، أكثر مما يعرف عباس بعشرات المرات. فقد وصل صائب، الى قناعة، بأن حال المفاوضات التي ينتظرها عباس، باتت مُزرية، وهي التي تسمى في علم السياسية، المفاوضات الصفرية، المرموز لها في الاصطلاح بــ “المروحة” التي تنتج عُفاراً ولا تنتج تهوية!

فإن كان هذا هو حديث رجل، من قلب حلقة عباس الضيقة، فما الذي نتوقعه من الرأي العام الفلسطيني، غير الإحساس بلا شرعية الحكم المتمادي في لا مشروعية قراراته؟!

بقي القول في عُجالة، إن أكثر مستخدمي تعبير الشرعية، كلما سمعوا أو قرأوا موقفاً نقدياً أو رافضاً لاستمرار عباس في الحكم، هم من غزة نفسها التي يعذبها. ما يعني أن منشأ “الاعتقاد بالشرعية” هو ما استقر لهؤلاء من مصالح تستمد عنصر دوامها من التأكيد يومياً على أن عباس هو الشرعية التي لا يأتيها الباطل من يمين أو يسار، مهما توغل الرجل في لا مشروعية القرارات والمواقف!

صائب عريقات، ليس من تيار  دحلان، ولا من أصدقاء الزهار، ولا يتساوق مع الاحتلال. كنا ولا زلنا نتمنى أن يستخدم كل ثقافته لكي يتلو على عباس إجابات توماس هوبز وجون لوك، عالمْي الاجتماع السياسي، عن الأسئلة المتعلقة بمفهوم الشرعية في العقد الاجتماعي، وفيها شروحات مُحكَمة، عن كيفية ممارسة السلطة الشرعية لواجباتها في المجتمع، وكيف تنشأ طاعة الناس لهذه السلطة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق