أقلام وآراء

“حماس” تبتعد عن المصالحة

تتخذ حركة حماس مع الأسف، موقفاً سلبياً من الأحداث التي تعصف بالقضية الفلسطينية، وتأخذ موقع المراقب الذي لا يشارك، بل يصدر أحكاماً نقدية وكأن الأمر لا يعنيه. فهي في الصراع القائم بين منظمة التحرير والإدارة الأمريكية، تصب نقدها على موقف السلطة وتعتبره غير واضح ولا يقنعها، وكأن موضوع القدس مسألة تحتاج إلى تفكير، حتى تهب للاصطفاف الفلسطيني ضد قرار الرئيس الأمريكي ترامب.

وهي في الوقت ذاته غير متحمّسة للخطوات السياسية والدبلوماسية التي تتخذها السلطة على الصعيد الدولي؛ لحشد الدعم السياسي ضد القرار الأمريكي المجحف بالحقوق الفلسطينية، وترتفع عقيرة بعض مسؤولي حماس في الدعوة لنصرة القدس شعبياً، لكن عند المواجهة تخلو الساحة من أنصار حماس وكأن هناك تعليمات داخلية بعدم المشاركة، وتطالب بوقف التنسيق الأمني، بينما تحافظ الحركة على اتفاق التهدئة مع الاحتلال وتوسط مصر لهذا الغرض، لنقل رسائل تطمين إلى الاحتلال بأنها غير معنية بالتصعيد، وأنها تلاحق العناصر التي تخرق التهدئة، وتطلق الصواريخ وتعتقلهم، وهم عناصر سلفية وخارجة من حماس نفسها.

وعند انعقاد المجلس المركزي، رفضت المشاركة ولو على هيئة مراقب، معتبرة انعقاده في رام الله غير مناسب، وكأن هناك دولة تقبل بانعقاده في الخارج!

وحتى قرارات المجلس لم تعجبها، ورأت أنه يجب تنفيذها فوراً، مع أنها لم تدرس الظروف إن كانت مواتية أم لا، فالشعار الأصم عادة لا يخدم القضية وإن حظي بشهرة؛ لأن الواقع يفرض مراجعة الظروف الدولية وحشد الدعم. فهل سألت حركة حماس نفسها، لماذا لا تلغي اتفاق التهدئة؟

ولماذا لا يُشاهد أنصارها في الميدان عند الاشتباكات مع المستوطنين والاحتلال في غزة والضفة؟ ولماذا يوجد فقط أنصار فتح وفصائل أخرى، والدليل أن المعتقلين والشهداء والجرحى من هذه الفصائل فقط، خاصة فتح، ولماذا يخوض عناصر فتح معركة مفتوحة في القدس، وتتعرض كوادرهم للاعتقال والملاحقة، فيما يختفي اتباع الأحزاب الدينية!

يبدو أن حسابات حماس تختلف عن الحسابات الوطنية، مثلما حدث في الانتفاضة الأولى، حيث انتظرت شهرين للمشاركة، وفي الانتفاضة الثانية انتظرت ستة أشهر، وفي انتفاضة النفق لم تشارك أبداً، فالحساب الحزبي يبقى محكوماً بمصالح حزبية ضيقة، وليس بمصالح وطنية.

وفيما يتعلق بالمصالحة فإنها وصلت إلى طريق مسدود؛ نظراً لتمترس حماس حول موظفيها، واشتراط عدم إقالة أي موظف، ورفض إعادة الموظفين القدامى، مع أن اتفاق المصالحة ينص على تشكيل لجنة فنية للنظر في قضية موظفي حكومة حماس.

وقد اجتمعت اللجنة لهذا الغرض ولم تُنه عملها بعد، ولكن حماس تهدد بأنها لن تسمح بالاستغناء عن أي موظف، بينما اللجنة تقول إنها تبحث عن حل لمن يتم الاستغناء عنه. فمصير قرابة 17 ألف موظف من حماس، لا يعادل مصير أكثر من نصف مليون عاطل عن العمل في غزة، بالإمكان تشغيل أكثرهم فيما لو تمت المصالحة.

ويبرز بين حين وآخر من يدّعي بأن السلطة تريد سلاح المقاومة، لكن الوسيط المصري، وفتح، يُنكران أنه تم التطرق لهذا الموضوع. فموضوع السلاح يُشهره بعض قادة حماس، خاصة المرتبطين بالمحور التركي الإيراني القطري، للإفلات من استحقاقات المصالحة.

وحتى الآن لم تسلّم حركة حماس موضوع جباية الضرائب والجمارك والكهرباء لحكومة الوفاق، مع أن الحكومة تسدد فواتير الكهرباء للاحتلال. وكلما قدمت حكومة الوفاق ما يشير إلى أنها عازمة على المضي قدماً في المصالحة، اختلقت حماس مبررات لعرقلتها؛ لإبقاء الوضع على ما هو عليه، حتى وصل الأمر إلى انتقاد مصر على لسان صلاح البردويل، الذي قال إن هناك تراجعاً في الدور المصري في رعاية المصالحة، وأرجع ذلك إلى ضغوط أمريكية و«إسرائيلية» على السلطة على حد قوله، وكأنه هنا يتحدث بلسان مصر.

بالطبع ليست هناك اتصالات أو ضغوط أمريكية على السلطة؛ لأن العلاقات الأمريكية الفلسطينية في أسوأ حالاتها؛ بل هي معدومة (!). لكن يبدو أن التيار القطري التركي الإيراني في حماس، انتعش مجدداً، بعد الحديث عن محور جديد للتملّص من المصالحة ككل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق