رئيسي

خطة الحكومة “الفلسطينية” المالية لتوفير الحد الأدنى من رواتب الموظفين

الاقتراض من البنوك المحلية

لم يتقاضى ما يزيد عن 150 ألف موظف يتبعون السلطة الفلسطينية رواتبهم منذ 2 مايو الماضي؛ وذلك إثر أزمة مالية رافقت قرار وقف استلام أموال “المقاصة” التي تحتجزها إسرائيل؛ التزامًا بقرارات الرئيس محمود عباس في الـ19 من مايو بإلغاء العمل بكافة الاتفاقيات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحد الأمريكية؛ الأمر الذي أدى لانعكاسات سلبية على الاقتصاد الفلسطيني، في ظل غياب البدائل المالية حتى اللحظة.

وكان رئيس الوزراء الفلسطيني د. محمد اشتية، قد قال: “إنّ حكومته لن تكون قادرة على دفع رواتب الموظفين العموميين حتى نهاية شهر يونيو الجاري”، مُرجعاً ذلك إلى ما وصفه بـ”تعنت الاحتلال في تحويل أموال الضرائب الفلسطينية”.

وأشار إلى أنّ إسرائيل كانت تحوّل هذه الأموال تلقائياً، دون الرجوع للحكومة الفلسطينية، والآن طلبت من الحكومة الحديث معها مقابل تحويل الأموال. وتُشكل عائدات الضرائب حوالي 63% من إجمالي الإيرادات العامة الفلسطينية.

زيادة تشوهات الاقتصاد الفلسطيني

بدوره، قال الخبير في الشأن الاقتصادي البرفسور أنور أبو الرب: “إنّ استمرار تأخر صرف رواتب موظفي السلطة، مؤشر خطير جدًا؛ لأنّ الأوضاع في السوق الفلسطيني لم يعد يتحملها أحد سواء المواطن أو التاجر أو حتى العاطل عن العمل”.

وأوضح أبو الرب أنّ استمرار هذا الوضع يُحمل الاقتصاد الفلسطيني أعباءً إضافية عما كان يحمله؛ وبالتالي ستزداد نسب الفقر والبطالة، مُشيرًا إلى أنّ مؤشرات البطالة بدأت بالازدياد في مناطق السلطة عن 30% وفي قطاع غزة عن 50%.

وأضاف: “هذا الأمر يؤدي إلى خلق مشاكل اجتماعية بكل تأكيد؛ لأنّ المواطن لم يعد قدر على التحمل”، مُبيّناً أنّ “عدد من المنشآت الاجتماعية الكبيرة تعتمد على السيولة النقدية التي تحصل عليها من موظفي السلطة الذين يزيد عددهم عن 150 ألف”.

وتابع: “نتحدث عن اقتصاد فلسطيني عانى العام الماضي لمدة تزيد عن 6 شهور من صرف رواتب الموظفين بنسبة 50%”، مُوضحاً أنّ كل هذه التشوهات عبارة عن تراكمات في الاقتصاد لا يمكن أنّ يتحملها المواطن أو المنشآت.

ولفت إلى أنّ المنشآت بدأت تعاني بشكلٍ كبير والأوضاع الراهنة تُهدد وجودها، خاصةً أنّ جائحة كورونا أنهكت كثير منها، مُردفاً: “الأوضاع في غاية الخطورة، حيث تمر الحكومة بأزمة مالية والمواطن بدأ يفقد ثقته في حكومته وقيادته، ما يستدعي الوقوف على إنهاء هذه الأزمة في ظل خفض دعم الدول المناحة لميزانية السلطة”.

ويعتمد الاقتصاد الفلسطيني بشكلٍ مباشر على ضخ السيولة النقدية من رواتب الموظفين العموميين، مما يعني أنّ تأخير صرفها قد يؤدي لانهيارات كبيرة في الأسواق الفلسطينية وعجلة الاقتصاد.

انعدام الأمن الغذائي

من جهته، رأى أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر بغزّة، د. معين رجب، أنّ تأخر صرف الرواتب له انعكاسات سلبية عديدة؛ لأنّ الأوضاع قبل تأخر صرفها كانت في غاية الصعوبة؛ أي بإضافة تأخر صرف رواتب عشرات الآلاف من الموظفين يعني أنّ المعاناة ستتضاعف لكافة شرائح المجتمع.

وبيّن رجب  أنّ الرواتب تُشكل التزامات للموظفين اتجاه أنفسهم وأسرهم وأبنائهم والأقساط والديون المستحقة عليهم؛ الأمر الذي يُلحق الضرر ليس بالموظفين فقط؛ وإنًما بمن يتعاملون معهم.

وحذّر من أنّ استمرار تأخر صرف الرواتب سيؤدي إلى “انعدام الأمن الغذائي” للموظفين والشرائح التي تتعامل معهم، مُؤكّداً على أنّ الامر له انعكاسات خطيرة جدًا؛ خاصة أنّ الأفق “مغلق”؛ بسبب عدم وجود تقديرات من السلطة حول موعد الصرف؛ الأمر الذي يجعلهم يعيشون في حالة من الضبابية.

ويتقاضى قرابة 60 ألف موظف عمومي في قطاع غزّة ما بين 50 – 70 بالمائة من رواتبهم مذ قرابة أربع سنوات، حيث لا يكاد هذا الجزء من الراتب يكفي غالبيتهم لتغطية النفقات الشهرية، إلى جانب ذلك فإنّ معظم هؤلاء الموظفين مرتبطون بسداد أقساط شهرية لصالح البنوك ومؤسسات الإقراض، ما يزيد من الأعباء المالية التي يُعانون منها في ظل تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية.

وتُشكل فاتورة الرواتب ما نسبته 53% من إجمالي النفقات الفلسطينية، وطالب صندوق النقد الدولي في أكثر من مناسبة السلطة الفلسطينية بضرورة ضبط النفقات عبر منع تضخم فاتورة الأجور التي تُشكل أكثر من نصف نفقات الحكومة، ووفقاً للبنك الدولي فإنّ دعم موازنة السلطة الفلسطينية لهذا العام هو الأدنى منذ عقدين.

بدائل محدودة وأفق ضيق

وفيما يتعلق بالبدائل التي تملكها السلطة للوفاء بالتزام الرواتب، رأى رجب أنّ البدائل المالية للسلطة ضيقة ومحدودة، مُشيراً في ذات الوقت إلى أنّ إيجاد البدائل المالية مسؤولية السلطة التي اتخذت قرارات سياسية متسرعة.

وأردف رجب: “إنّ وقف التنسيق الأمني قرار سياسي مهم جدًا؛ لكن اتضح أنّه مرتبط باستلام مخصصات المقاصة التي هي المصدر الأساسي للإيرادات العامة”.

وبيّن أنّ البدائل هي التواصل مع البلدان العربية، لافتاً إلى أنّ مندوب فلسطين الدائم لدى جامعة الدول العربية دياب اللوح طرح فكرة تجديد شبكة الأمان، وطالب بتفعيل الشبكة التي كانت بمعدل 100 مليون دولار شهرياً.

واستدرك: “طرح السفير اللوح أيضاً إمكانية الحصول على قرض بما يعادل شبكة الأمان”، مُنوهًا إلى أنّه وحتى يومين ماضيين لم تكن هناك استجابة ولم تصل ردود.

وشدّد على أنّ الأمور تزداد تعقيداً لأنّ السلطة تخلت عن صلاحياتها، التي تُوفر لها حرية الحركة؛ وبالتالي الأمور انعكست على التحويلات وليس فقط التنسيق الأمني.

ونبّه رجب إلى أنّ السلطة تبحث تدخل المنظمات الدولية للقيام بالتنسيق وهو جهد إضافي ليس من صلاحياتها، كالصليب الأحمر ومنظمة الأغذية والصحة والطفولة.

توفير الحد الأدنى

وقال أبو الرب: “إنّ السلطة مطالبة بإيجاد حل لتوفير الحد الأدنى من الرواتب بنسبة 50% على الأقل، وذلك بالحصول على قروض من البنوك المحلية”.

وأشار إلى أنّه بمقدور الحكومة أنّ تقترض من البنوك؛ لأنّ أموال الحكومة محتجزة لدى دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ وبالتالي ستحصل عليها في نهاية الأمر، مُستدركًا: “حتى لو دفعت فوائد على هذه الأموال”.

ورأى أنّ هذه الفوائد أقل خسارة على الاقتصاد الفلسطيني من ازدياد البطالة والفقر والمشاكل الاجتماعية والتشوهات في الاقتصاد، مُشيراً إلى أنّ محاولة السلطة فك الارتباط عن الاقتصاد الإسرائيلي؛ يجب أنّ لا يدفع المواطن ثمنها، خاصةً أنّ الأسر الفلسطينية لا تستطيع تحمل ذلك.

وفي ختام حديثه، أكّد أبو الرب على أنّ السلطة الفلسطينية في منعطف خطير؛ خاصة أنّ المواطنين بدأوا في التململ وعلى السلطة الآن وليس غدًا، أنّ تُفكر في كيفية توفير الحد الأدنى من الرواتب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق