أقلام وآراء

مفاتيح السلطة

د. عبد الكريم البرغوثي

وحيث أنه لا تتوفر بين أيدينا أية معطيات دقيقة عن طريقة صنع القرار في المؤسسة الرسمية الفلسطينة، وأمام فوضى التشريعات وصراع مراكز السلطة/ السلطتين، ولمواجهة كل ذلك، ليس فقط لضمان المناعة لمشروع الحرية الفلسطيني، ودون الخوض في نبوءات القادمات، فهي واقع معاش، ولن تؤول بأي اتجاه إلا اعتمادا على فاعليتنا الراهنة، بإعلاء صوتنا أن لا حاجة لنا لهذا النوع من السلطة/ السلطات وما يلازمها من الخطاب، التسحيجي أو المناشد، الداعي لتحقيقات و/ أو انتخابات، لمحاسبة كبش فداء هنا أوهناك، وحتى لا تتحول الحرية إلى كبش الأكباش، أعيد نشر مقال لي حول تجاوز جائحة ترمب دون تغيير فيه أو تبديل يذكران، فذكر إن نفعت الذكرى، وهذا أضعف الإيمان، أن تنطق بما تفكر. وما زلت أفكر بأن ما جاء في المقال هو حل يجب على الأقل تداوله، ليس فقط من باب الذكرى، بل ومن باب الأمل في قيامة يوم للحرية أجمل، وفيما يلي المقال:
“ليس من مسوِّغٍ للّتلويح بتدارس إمكانيّة تسليم مفاتيح السّلطة لإسرائيل، البلد المُحتلّ، فهذا يعني إقراراً بالاحتلال. وحيث إنّ دولة الاحتلال أصلاً تأسّست وظهرت للوجود بقرارٍ دوليٍّ من الأمم المتحدة، وساهمت هذه المنظمة الدولية، والتي كانت حتى ذلك الوقت، تعتبر حاملةً وحاميةً للشرعية الدولية ومعبرةً عمّا يُسمّى بالضمير العالمي، في الحفاظ على عضوية إسرائيل الكاملة فيها، وقد تراجعت في عقد التسعينات من القرن الماضي عن اعتبار الصهيونية عنصرية بفضل استثمار الجميع في المفاوضات المستدامة، والتي حذّر كثيرون في حينه من أن مسار أوسلو لن ينتج دولةً بل تأبيداً للاحتلال والمفاوضات.
لقد تزامن أوسلو مع تحولٍ جذريٍّ في النظام الدولي من ثنائي القطبية إلى أحادي، مع هيمنة أمريكية
ريب فيها، ولكن التغيرات الدوليّة والإقليميّة في العقد الأخير تشير إلى تراجعٍ في الهيمنة الأمريكية وإلى احتمالات نشوء أقطاب عدة.
وحيث إن قيادة منظمة التحرير ما زالت مصرةً على مسار عدم قطع شعرة معاوية مع المفاوضات، بالتوازي مع مسار تحصيل اعتراف دوليّ بأننا دولة تحت الاحتلال، وبجمع المسارين، وحتى لو حصلنا على هكذا اعترافٍ فإنه سيبقي المطلوب هو استمرار المفاوضات الثنائية، وإن تغير راعيها، من الأمريكي إلى الرباعية أو حتى إلى راعٍ عربي، لحين اتفاق الطرفين على القدس واللاجئين والحدود… إلخ. أي أنَّ مسار المفاوضات المستدامة أداة لإدارة الصّراع بدل حلّه، وسيبقى هو الطريق المجرب والذي سيبقينا في ذات الدائرة أو الصندوق، المعتقل.
إنَّ تفكيراً خارج الصندوق يقتضي أولاً العمل بما ترسّخ في الحكمة الشعبية – اللي بجرب المجرب عقله مخرب- والخروج من الانفعال إلى الفعل، ومن انتظار صفقة العمر أو ما ستؤول إليه التحقيقات الخاصة بطاقم ترامب أو نتنياهو، أو نتيجة انتخاباتٍ مبكرةٍ هنا أو هناك أو تطبيقٍ لمهارات المفاوضات المستدامة على ذاتنا الفلسطينية حول الانقسام أو ما بعد المصالحة برعاية الأشقاء جميعاً.
إن الفعل الممكن ليس فقط لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بل لخلق زخم قادر على استثمار خطيئة ترامب، وبرؤية للمتغيرات الدوليّة والإقليميّة واتكاءٍ على الذات الفلسطينية الصّابرة والقادرة الفاعلة، هو العودة عن اعتراف المنظمة بإسرائيل، وإعادة الموضوع برمته للأمم المتحدة التي اعترفت بإسرائيل وفلسطين معا، وحالة استقلال كوسوفو سابقة تحققت عندما تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته، وأرغم الصرب على ما أراد.
أعلنت الأمم المتحدة رغبتها في رعاية المفاوضات المباشرة الإسرائيلية – الفلسطينية دون استبدال دور الرباعية، وهو التفافٌ على حملة التشكيك بالراعي الأمريكي، ويكون الرد بأنْ تفاوض هي، فحجة جميع المعترضين على قرار ترامب هو أن قراره يستبق النتائج، وأنه مخالف لما استقرَّ عليه القانون الدوليّ والمجتمع الدوليّ بجُلّ عناصره.
إن تسليم مفاتيح السُّلطة للأمم المتحدة ليس تلويحاً أو مسألة دراسة وبحث، بل خطوة كفيلة بأن تجبر على وقوف المجتمع الدوليّ أمام احترامه والتزامه بما استقرت عليه قراراته نفسه ليقوم بالتالي بإنفاذها وبما يشبه حالة كوسوفو.
إنَّ ضغطاً فلسطينيّاً بهذا الاتجاه كفيلٌ بالإجابة على تساؤلاتٍ من نوع: ما البديل لحلِّ السُّلطة؟ ما مصير عشرات الآلاف من الموظفين؟ وكلّ ذلك سيكون من مسؤوليّة منظّمة الأمم المتحدة، بما يشبه وكالة الغوث والّتي عمرها أكبر من عُمر السُّلطة، وإن كانت الوكالة لم تحُل قضية اللاجئين، إلّا أنّها لم تنهها، فلم يتكّيف اللاجئون ولم يتنازلوا عن حقِّ العودة، كما لم يتنازل شعب كوسوفو عن حق تقرير مصيره رغم الإدارة الدولية، بل وحقّق استقلاله.
إنَّ منظمة التحرير الفلسطينيّة باعتبارها ممثل الشعب الفلسطينيّ (بشكلها الحالي أو القادم، وبشمولها كافّة قوى الشعب الوطنية) مسؤولةً عن الُمضيّ بهذا الاتجاه وعن تسليم المفاتيح فقط للأمم المتحدة حتّى لا يتلقّفها نتنياهو أو أيّ من أصدقائه من بني جلدتنا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق