أقلام وآراء

المشتركة وغانتس..وباء الفاشية وفاشية الوباء

رامي منصور

معنيان للفاشية

في اللغة العربية معنيان للفاشية؛ الأول، هو العقيدة الفاشية أو نظام الحكم الفاشي، والثاني هو فاشية الوباء، أي تفشّيه. وفاشية الوباء هو مصطلح علمي معتمد لكنه غير دارج. وفي الحالتين، يدور الحديث عن وباء، سواء الفاشية كعقيدة أو تفشٍ لفيروس فتاك. ويُحسب هنا لبنيامين نتنياهو وبيني غانتس أنهما وحّدا المعنى؛ فصارت فاشية الوباء محركًا لحكومة فاشية، ولكن موحدة قوميًا. هذه جمالية اللغة العربية، وهذه قباحة إسرائيل.

مصل للمفاوضات: سقطت مقولة التوصية على غانتس تسقط نتنياهو.. صاروا حلفاء

يعجز العلماء حتى الآن عن تطوير مصل أو تطعيم ضد فيروس كورونا المستجد، ونأمل أن يحدث ذلك قريبًا، لكن وباء الفاشية الموحد – نتنياهو وغانتس – وفّر لنا مصلا للمفاوضات مع “كاحول لافان” بهدف التوصية بتكليف غانتس لتشكيل الحكومة.

ليس لدى القائمة المشتركة بعدَ إبداء غانتس استعدادهُ للمشاركة في حكومة طوارئ وطنية مع نتنياهو، أي مبرر لاستمرار التفاوض مع “كاحول لافان” للتوصية عليه، فإذا كان غانتس في طريقه إلى حكومة نتنياهو، فيكون بذلك قد حقق هدفه من المفاوضات مع المشتركة لابتزاز الليكود ونتنياهو، من خلال التهديد بتشكيل حكومة أقلية تستند إلى العرب.

هدف غانتس كان استغلال المشتركة لإحباط سعي نتنياهو لانتخابات رابعة وإحداث شرخ في كتلة اليمين أو تشكيل حكومة وحدة وطنية دون نتنياهو، أو معه، لفترة قصيرة يتنحى منها لاحقا بسبب محاكمته.

الآن قواعد اللعبة تغيرت، إذ لا يرغب كل من غانتس ونتنياهو الذهاب لانتخابات رابعة في ظل أزمة كورونا، كما إن خياراتهما شبه معدومة؛ فإما حكومة وحدة وطنية وإما حكومة وحدة وطنية!

خيار آخر قد يلوح بالأفق قريبًا أمام نتنياهو في حال رفض غانتس الانضمام لحكومة الطوارئ، ويتمثّل في أن يسحب نتنياهو تحالف “العمل – غيشر” إلى حكومة يمينية ضيقة بحجة الطوارئ، أو يضم منشقين عن “كاحول لافان”.

صاحبة حزب “غيشر”، أورلي ليفي – أبيكاسيس على الأغلب ستحط بالنهاية في الليكود. بالنسبة لحزب العمل وعمير بيرتس، فإن إجراء انتخابات رابعة هو انتحار سياسي سيؤدي إلى “انقراض” حزب العمل على الأغلب.

أمام هذا الواقع، ومن باب البراغماتية السياسية، ليس للمشتركة أي خيار أو أي مبرر لاستمرار التفاوض مع “كاحول لافان”، حتى لو وقع لها على اتفاق بتحرير الأقصى والجولان، فإن ذلك يبقى حبرًا على ورق ولن يسقط نتنياهو بالنهاية، لأن غانتس في طريقه للتحالف معه أولا.

الأمر الثاني، أنه لا يرى بالمشتركة حليفًا إستراتيجيًا، بل كأسًا مرًا عليه أن يتجرعّه خلال المفاوضات للتخلص من “فيروس نتنياهو”، وهذا يتطابق مع تصريحات يائير لابيد بأن المشتركة لن تكون شريكة، بل هي أداة سيستخدمها لمرة واحدة.

حفاظًا على كرامة المشتركة وناخبيها، ينبغي أن يحدد قادتها هم أن “اللعبة انتهت” مع غانتس قبل أن يغلق هاتفه أمام اتصالاتهم وهو في طريقه لنتنياهو.

سيحاول غانتس خلال السبت وعشية التوصية، الأحد، أن “يجرجر” المفاوضات مع المشتركة لابتزاز نتنياهو بشكل أكبر. سيشاركه ليبرمان لعبة الابتزاز. حتى الآن ظهر أن نتنياهو يتمتع بميزات مشتركة مع في فيروس كورونا. لا مصل ولا تطعيم له، لا غانتس ولا ليبرمان، هو معدٍ بشكل خطير، حتى انتقلت العدوى لغانتس و”كاحول لافان”.

إذًا، لا داعي لاستمرار لعبة المفاوضات، لأن الحسابات البراغماتية وليس المبدئية، حسابات الربح والخسارة، أن لا طائل من المفاوضات ولن تحقق أي شيء جدي للعرب، سوى تصعيد تحريض اليمين على العرب دون جدوى أو أي مقابل سياسي يستحق هذا التحريض. لا تسوية تاريخية في الأفق، ولا بوادر تغير سياسي في إسرائيل.

وأمام الإجماع الصهيوني المتشكل في حكومة طوارئ، يجب أن يتشكل إجماع وطني يتجاوز الوحدة الانتخابية البرلمانية. تذكروا “صفقة القرن”، قد يحصل ضم المستوطنات ومناطق واسعة من الضفة المحتلة في ظل حكومة طوارئ. سيناء والضفة وغزة والجولان احتلت في ظل حكومة طوارئ.

آخر الاستطلاعات

أمام الإيحاء غير المباشر من قبل بعض الأطراف في مركبات المشتركة وخارجها، للتجمع، بأن عدم توصيته على غانتس سيكلفه ثمنًا لاحقًا، فإن الاستطلاعات الأخيرة المتوفرة لدى “عرب 48″، وهي استطلاعات علمية، تُظهر أن التجمع في صعود من حيث الشعبية؛ وفي آخر استطلاعات يحل ثانيًا بعد الجبهة وبفارق قليل، إذ إنه تمكن من مضاعفة شعبيته واستعادة مكانته مؤخرًا، ومن يهدد التجمع بشكل مباشر أو غير مباشر فليراجع الاستطلاعات الأخيرة.

قَبِل التجمع على نفسه مفاوضة “كاحول لافان” رغم تصويت الأخير مع شطب إحدى مرشحاته قبل أسابيع فقط، وكان موقف التجمع نابعا من باب الحفاظ على وحدة الموقف في المشتركة وتقديرًا للوحدة الشعبية العربية التي ظهرت في الانتخابات، وهذا تصرف يدل على نُبل وجدية التجمع في التعامل مع المشتركة كمشروع سياسي وحدودي وليس مجرد تحالف انتخابي لعبور نسبة الحسم.

ثبتت في الانتخابات قبل الأخيرة صوابية موقف التجمع برفض التوصية على غانتس، ومن أوصوا لم يحققوا أي إنجاز. لذا، وطالما أن الواقع ازداد سوءًا سياسيًا لجهة تشكُّل إجماع صهيوني بحجة مواجهة أزمة كورونا، وتبني نتنياهو وغانتس “صفقة القرن” دون تحفظ؛ فلا داعي أن يغير التجمع موقفه من التوصية، ليس بسبب الموقف المبدئي فقط، بل من دوافع الربح والخسارة السياسية أيضا، أي بدافع البراغماتية السياسية، لأن التوصية على غانتس لن تحقق هذه المرة كذلك، أي شيء.

لقد قضى نتنياهو في خطابه مساء الخميس على فرص غانتس بتشكيل حكومة. لذا بالنسبة للمشتركة، فإن لعبة المفاوضات والتوصية قد انتهت. “game over”. التوصية على غانتس لن تُسقط نتنياهو، بل إن هذا الادعاء قد سقط بالكامل.

حرب 1967 وأزمة كورونا

شبّه نتنياهو في خطابه مساء الخميس الأزمة الحالية بسبب كورونا، بالأزمة عشية عدوان حزيران/ يونيو 1967، وذلك في سياق دعوته لحكومة طوارئ وطنية وتبريرها.

نتنياهو شعبوي، صحيح، لكنه عقائدي متطرف وعدواني خطير أيضا. التشبيه بين الأزمتين؛ الحرب وكورونا، قد يحمل تلميحات لأعمال عدوانية، ولو محدودة ولكن جذرية، مستغلا فوضى كورونا في الدول المحيطة، ودخول المجتمع الإسرائيلي في حالة طوارئ تشلّ كل شيء تقريبًا وأشد من حالات الحرب. ستكون هذه كارثة إنسانية لكل المنطقة. استبعد حدوث ذلك ولست من هواة نظرية المؤامرة. لكن نتنياهو خطير وعلى استعداد لفعل أي شيء للبقاء في الحكم والهروب من المحاكمة والسجن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق