أقلام وآراء

عباس 2019 – 2020

 نبيل عمرو

في وقت مبكر، أعلن عن أن الرئيس محمود عباس هو المرشح الوحيد لـ«فتح» في الانتخابات الرئاسية التي سيتحدد موعدها فيما بعد.

الإعلان المبكر جاء بمثابة حسم مسبق لمعركة الخلافة التي تجري على نحو صامت ولكن بجهد صاخب، غير أنه حسم مؤقت، إذ إن السؤال الذي لم يُجب عنه حتى الآن: من هو مرشح «فتح» حال غياب عباس؟

الإسراع في وضع العربة أمام الحصان أي إعلان الترشح قبل حسم أمر المعركة الانتخابية، خصوصاً الشق الرئاسي منها، أملاه دافع موضوعي قوي هو عدم وجود مرشح تلقائي من بين قيادة «فتح» مثلما كان الأمر عليه طيلة مسيرة عرفات الطويلة، فقبل زمن السلطة والانتخابات خصوصاً في الوطن، كان لعرفات مرشحون تلقائيون لخلافته، وبوسعك انتقاء أي واحد منهم ليجمع عليه أعضاء «فتح» وقادة الحركة، في ذلك الزمن كان في «فتح» صلاح خلف وخليل الوزير وخالد الحسن وفاروق القدومي. غير أن للقدر سطوة لا ترد في صناعة التاريخ، فكان أن مات الثلاثة الكبار في حياة عرفات ولم يبقَ من التاريخيين سوى القدومي وعباس، أطال الله عمرهما.

كان القدومي قد أخرج نفسه من الحلبة حين اتخذ موقفاً جذرياً رافضاً لاتفاقات أوسلو، ما أفسح في المجال أمام التاريخي الآخر عباس الذي لم يكن مجرد مهندس لأوسلو مثلما شاع هذا اللقب في حينه، بل صار الرجل الثاني بلا منازع في التراتبية العائلية لـ«فتح»، لهذا وبفعل عوامل إيجابية أخرى نضجت على مستوى الوضع الفلسطيني والإقليمي والدولي انتقلت الرئاسة بسلاسة لافتة من عرفات لعباس، ولقد حظي الخليفة التلقائي بإجماع قل نظيره في تاريخ الزعامة الفلسطينية.

ما إن نودي بعباس رئيساً للفلسطينيين بدءاً بالمنظمة ثم السلطة ثم الدولة، وجد الرجل نفسه أمام مسؤوليات مضاعفة حتى عن تلك التي كانت في عهد عرفات، فعلى صعيد العملية السياسية التي كان عباس مهندسها وواضع تصاميمها والأكثر إخلاصاً لنجاحها، فإنها لم تتراجع فحسب بل تحولت إلى عكسها تماماً، وصار مجرد الحديث عن مفاوضات فلسطينية – إسرائيلية مجرد هذر وجري وراء السراب.

وعلى صعيد الجبهة الداخلية التي كانت في كل المراحل الأرض الصلبة التي تقف عليها الحالة الفلسطينية، فقد انقسمت على نحو غير مسبوق في تاريخ العمل الوطني الفلسطيني، إذ تجاوز الاختلاف الحالة الصحية القديمة التي كان فيها خط معارض يقابله خط أوسع موالٍ ليبلغ حد الانقسام ثم الانفصال، لم يكن الانقسام الذي دخل عامه الثالث عشر مجرد إفراز لصراع بين البرامج والرؤى، بل تكرس كصراع على النفوذ والسلطة والشرعية وصارت له امتدادات سياسية وجغرافية وتحالفية، وتحولت الشرعية المحسومة دون شك التي تمثلها منظمة التحرير إلى حالة إشكالية وصار بالإمكان ادعاؤها من قبل حركة حماس التي تسيطر فعلاً بل وبصورة مطلقة على قطاع غزة، ولا تخفي تطلعها للسيطرة على ما تبقى وبأي وسيلة ممكنة متكئة على ذلك الفوز القديم الذي أحرزته في انتخابات المجلس التشريعي الثاني.

ولو كانت الحكاية كلها بين «فتح» و«حماس» لأمكن إيجاد علاج أو احتواء لها بصيغة أو بأخرى، إلا أن ما زاد الأمور تعقيداً تصاعد الصراع الداخلي في «فتح» ذاتها، هذا الصراع الذي أفقدها نفوذها المحسوم والمتفوق داخل الحياة الفلسطينية وانتزع منها أغلبية برلمان كانت هي صانعة فكرته وآلياته وحتى نظام انتخابه، ومنذ ذلك الوقت والحديث هنا يدور عن مساحة زمنية تزيد على عقدين، شاع مصطلح يتداوله الفلسطينيون وكل المتوغلين في شؤونهم من العرب وغير العرب مفاده أن «حماس» لم تفُز بقوتها الذاتية ولا بشعبيتها ولا بصدقية شعاراتها، بل فازت من خلال استغلالها الحاذق للفراغات الواسعة التي فتحت الطريق أمامها وكلها من صنع الصراع الداخلي في «فتح».

وحين يحدث أمر كهذا، فلا مناص من أن يسحب تأثيره على الإطار المفترض أن يكون الذخر الأعلى والأوسع والأكثر أهمية على صعيد الشرعية الوطنية «منظمة التحرير».

وما دام الفلسطينيون يتحدثون عن انتخابات عامة فيجدر بسياسييهم ومفكريهم وناشطيهم قراءة وضع المنظمة على حقيقته والتعامل معها على أساس أنها بالأمس ليست هي التي نراها اليوم.

فلقد تحولت من كانت تسمى عن جدارة الدولة المعنوية للشعب الفلسطيني إلى مجرد شرعية عارية عن أي نفوذ يجعلها قادرة على تصويب مسار الحركة الفلسطينية وتفعيل شرعيتها ومؤسساتها.

بنظرة إلى حال منظمة التحرير الآن، فإننا نرى بوضوح كيف تجردت من فصائل كانت تسمى تاريخياً سدنة ما اصطلح على وصفه بالنصاب السياسي، وهذا بحد ذاته لا يسجل في صالح «فتح» ومعاركها الراهنة والمقبلة لاسترداد المكانة والنفوذ.

عودة إلى العنوان عباس 2019 – 2020، بعد كل ما تقدم فإن الإعلان المبكر وغير المفاجئ عن مبايعته مرشحاً وحيداً للرئاسة باسم «فتح» ينبغي أن يشعل ضوءاً أحمر في غرفة قيادته، فالرجل لا يعاني من معضلة ترشيحه من قبل «فتح»، إذ لا خلاف عليه، لذا فالمطلوب منه والحالة هذه أن يعمل منذ اللحظة على معالجة مسبقة لما يتوقع أن يحدث في اليوم التالي لغيابه، فهذا أهم ما يحتاجه الشعب الفلسطيني المتخوف كثيراً من احتمالات الفراغ والفوضى والتدخلات الخارجية بما في ذلك الإسرائيلية.

أن ترشح «فتح» عباس فهذا ما لا تستطيع الحركة بوضعها الراهن أن تفعل غيره، وهذا الترشيح البديهي لا يعني مجرد تجديد ولاء وثقة، بل تكليف لأداء مهمات ثقيلة لتأمين ما سيأتي على كل المستويات. بالاتفاق مع “الشرق الاوسط”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق