أقلام وآراء

المصالح العميقة وأحجية الانتخابات والمصالحة

عبد الناصر النجار

عدنا إلى النقطة الأولى في أهم قضيتين فلسطينياً وهما الانتخابات والمصالحة، وذلك بعد فشل مستمر منذ العام ٢٠٠٧ في تحقيقهما.
المصالحة فشلت أو تم إفشالها، وربما الأصح هو أن المصالح العميقة هي السبب الرئيس في أن تصبح المصالحة مجرد شعار يرفعه الجميع، ولكنه شعار بكائي ليس أكثر.
قبل أسبوعين، طرحت فصائل فلسطينية، بعضها له وزن ثقيل مقارنة مع فصائل بوزن الريشة، ورقة عمل من أجل كسر الجمود في جهود المصالحة، والانطلاق من جديد في ظل ظروف استثنائية حسب تصورها، على الرغم من أن الشعب الفلسطيني يمر بظروف استثنائية منذ العام ١٩٤٨.
الورقة عرضت على حركتي «فتح» و»حماس» باعتبارهما تمثلان السلطة القائمة في الضفة الغربية وقطاع غزة، لعل أن يكون هناك تغيير بعد أن فشلت الحركتان في تحقيق الهدف الأسمى للفلسطينيين في مفاوضات ماراثونية، ومن خلال قادة أقسموا أمام الكعبة على إنجاح المصالحة والتخلص من جحيم الانقسام، إلا أنهم نكثوا بالعهد، يضاف إلى ذلك مفاوضات استمرت سنوات في القاهرة والدوحة، تلاها اتفاق الشاطئ ثم .. وثم .. وثم..، ولكن النتيجة دائماً كانت صفراً كبيراً.
أحجية المصالحة المعقدة تكمن في المصالح العميقة التي تشكلت خلال ١٢ عاماً، مصالح اقتصادية ومالية وعقائدية، إضافة إلى تشابك مع مصالح إقليمية ودولية.
عندما نتحدث عن المصالح العميقة، فإننا لا نتحدث عن الدولة العميقة مثل ما هو حاصل في كثير من مناطق العالم، ولكن هنا نتحدث عن أحزاب وأجهزة أمنية باتت لا ترغب في فقدان سيطرتها أو امتيازاتها، والانتخابات أيضاً تمر بنفس معضلة المصالحة إن لم تكن أكثر تعقيداً.
بعد قرار حل المجلس التشريعي، كان من المفترض أن تجري الانتخابات العامة للتشريعي والرئاسة في حزيران الماضي، والأحجية هي أن الكل يريد الانتخابات ولكن في نفس الوقت الكل يرفضها، إلا أن تتم على مقاسه.
في غزة، ينظرون إلى الضفة كمنقذ لهم في ظل تدهور شعبية «حماس» إلى الحضيض، وفي الضفة يعتقدون أن غزة محسومة بعد سنوات عجاف من الحصار والقمع وخنق الحريات.
الانتخابات ليس مطلباً بحد ذاتها، ولكنها نتاج عملية ديمقراطية متكاملة، وليست فقط صندوق اقتراع ثم حرب للحفاظ على المصالح والمكاسب السابقة.
أي انتخابات عامة وفي القطاع غير قادرين على إجراء انتخابات على مستوى مجالس الطلبة للجامعات؟ ويعود ذلك أيضاً للمصالح العميقة، لأن أي نتائج انتخابات سيتم تحليلها سياسياً، وأكبر دليل على ذلك ما يحصل في الضفة، فحركة «حماس» ومجرد إعلان نتائج انتخابات مجالس الطلبة تبدأ ماكينتها الإعلامية في الحديث عن القوة والشعبية رغم القمع والتخويف وتدخل الأجهزة، وكأن القطاع يعيش في جنة عدن، وليس المنع المطلق لانتخابات طلابية. وبعد ذلك لم ترفض «حماس» المسيطرة على القطاع الانتخابات، ولكنه قبول لفظي، وعند الجد لا أحد يرغب بتغيير الوضع القائم.
المصالحة والانتخابات مصطلحان متكرران فقط عندما نكون في أزمة… أزمة أحزاب سياسية.. لأن الشعب في أزمة مستمرة ويضغط دون أن يتمكن من تحقيق مطالبه.
والسؤال هو على أي أساس ستجري هذه  الانتخابات فيما لو أجريت؟ هل على التمثيل النسبي، أم على  الترشح الفردي، أم المزيج؟ طبعاً غزة لها رأيها في ذلك، والضفة لها رأي مختلف، وما هو الموقف في حال رفضت سلطات الاحتلال إجراء الانتخابات في القدس؟ هل ستكون انتخابات دونها؟
والأخطر هو ما بعد الانتخابات وليست الانتخابات بحد ذاتها.. ماذا لو فازت «فتح» بالرئاسة وبأغلبية المجلس التشريعي؟ هل ستتنازل «حماس» عن حكم غزة؟ وهل ستكون أجهزتها الأمنية وذراعها العسكرية تحت إمرة الحكومة أم أن «المقاومة» خط أحمر، وبالتالي نعود لوضع دولتين متداخلتين في دولة؟
والسؤال ذاته مطروح أيضاً هنا: ماذا لو فازت «حماس» بالرئاسة وبأغلبية المجلس التشريعي؟ هل ستنقل تجربة حكم «حماس» خلال السنوات في غزة إلى الضفة الغربية؟ وهل ستقبل بحصار جديد؟!!  وهل ستسلم السلطة المفاتيح؟ مجموعة أسئلة في معظمها لا إجابات واضحة لها، لأن الواقع على الأرض شيء والتمنيات شيء مختلف تماماً.
إذاً هي عودة للنقطة الأولى، وللسطر الأول، هل نجري الانتخابات قبل المصالحة؟ وهل المصالحة شرط لإجراء الانتخابات؟ وكيف سيتم القبول بالنتائج أم نتوقع حصول ما  حدث في العام ٢٠٠٦؟!! الإجابة بسيطة، وهي أن المصالح العميقة ستكون كلمة السر في إخفاق تحقيق المصالحة أو إجراء الانتخابات لفترة طويلة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق