أقلام وآراء

«كتيبة الفدائيين» … العودة الى الجوع

د. أحمد جميل عزم

التقيتُ بشكل سريع، مع أسير محرر، خرج من سجن صحراء النقب الإسرائيلي، قبل أيّام. وقد اعتدتُ أنّ الأسرى الخارجين من المعتقل، لا يستطيعون لأسباب نفسية، ربما، بعد المعتقل مباشرةً، التواصل وتوصيل مكنونات أنفسهم بسهولة. من بين العبارات التي أخرجها هذا الأسير، يصف حادثة مع أسير آخر، «والله حزنت عليه وضحكت كيف كان يصرخ»، «دهن نفسه بال after shave، وحرق حاله» كان يحدثني عن أسير يطلب الحديث مع أمّه، محاولا حرق نفسه احتجاجاً.

عادة يكون لإضرابات الأسرى الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية مطالب متنوعة، وغالباً هي أمور طبيعية كانت «مسموحة» في السجون مُنعت، وعادة، يكون مطلب التواصل مع الأهل وتلقي الزيارات ضمن المطالب، ولكن الآن أعلن مئات الأسرى، قبل أيام بدء الإضراب عن الطعام، وموضوع الزيارات والتواصل، هو صلب هذا الإضراب.

مئات أو آلاف الأسرى، خصوصاً من قطاع غزة، منعت عنهم الزيارات منذ سنوات، لا يعرفون أهاليهم، ويطالبون ولو باتصال هاتفي معهم. والآنّ تستخدم سلطات الاحتلال أجهزة تشويش على الاتصال الهاتفي، لاعتقادها أنّ لدى الأسرى بعض أجهزة الهاتف.

يقود الإضراب أسرى منهم محمد عرمان، ممثل أسرى حركة «حماس» في المعتقلات، المحكوم 36 مؤبدا، والمعتقل، منذ 17 عاماً. وكعادة الأسرى المحررين في إطلاق عبارات كأنها تتسلل من مكانٍ عميق في أنفسهم، يخبرني ذلك الأسير، عن عرمان «يا إلهي كم هو (محترم)، هادئ، إنسان». وزوجة عرمان كما نقل الإعلام الممنوعة من زيارته منذ أعوام، كانت تعرف من المحامين أنّه في سجن يعرف باسم «ريمون»، قبل منع الزيارات والأخبار عنه، قبيل بدء الإضراب الراهن. وحتى مروان برغوثي، عضو اللجنة المركزية في حركة «فتح»، ورغم عدم إعلانه دخول الإضراب، في هذه المرحلة، فقد وُضع فوراً في سجن انفرادي. وعرمان وآخرون منهم وائل الجاغوب ممثل أسرى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وحسين درباس ممثل أسرى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وأكرم أبو بكر (فتح) في سجن نفحة، باتوا يعرفون الآن باسم «كتيبة الفدائيين» لأنهم يهددون بالتوقف عن شرب الماء، والأسير قد يتوقف عن الطعام عشرات الأيام، أما الماء فيعني الاستشهاد خلال أيام.

اختار حاتم اسماعيل الشنار، الأسير المحرر العام 1985، عنوان «خمس نجوم تحت الصفر»، لكتابه عن تجربة الاعتقال. والعبارة رداً على مسؤول إسرائيلي سخر من الأسرى ومطالبهم، بعبارة «أنتم لستم في سجن خمس نجوم». ومما ينقله الشنار، سخرية هذا المسؤول من شكواهم عن ضيق السجن بالقول «بيت الضيق بوسع مائة صديق». واستخدام الأمثال الشعبية جزء من تدريب السجّانين لقمع روح الأسرى. قبل أيام استمعتُ للأسير المحرر، عبدالفتاح دولة، يصف وضع الضيق في السجون، ويقول: في حالات لا يتسع السجن حتى لنوم الناس ملتصقين ببعضهم مثل «السردين».

في كتابه يصف الشنار، موضوع زيارات الأهالي للأسرى، وكيف أن الأسرى العرب لا يحصلون في حياتهم على أكثر من زيارة أو زيارة كل بضع سنوات لأهاليهم من خارج فلسطين، ينسقها الصليب الأحمر، ويقول إن بعض الأهالي لم يعرفوا أبناءهم عندما انقطعوا عن رؤيتهم سنوات، بعد أن ترك الأسر معالمه في وجوه أبنائهم. ويصف كيف تتبنى عائلات أسرى آخرين، أسرى عربا كأنهم أبناؤهم، يزورونهم ويتابعون احتياجاتهم. في كتابه يصف الشنار، كيف يضحك ويبكي أهالي الأسرى في الزيارات وقبلها وبعدها، وهذه الزيارات يستغرق الإعداد لها أياما، وتستمر رحلتها يوماً كاملاً، أحياناً، ليكون اللقاء في النهاية عبر حواجز، وقد يكون 15 دقيقة. والآن يطالب الأسرى ولو باتصال هاتفي مراقب مع الأهل. يصف الشنار كيف كان يسمح أحيانا برسائل من سطور معدودة، وكيف يضيف السجان أحيانا بخط يده تعليقات «سمجة» على ما يرسله الأسرى لذويهم.

من أغرب ما يحدث في موضوع الأسرى هو حالة العجز العربي والدولي عن معالجة شأنهم، وضمان ليس الحد الأدنى من مقومات الحياة الموجودة في أي سجن في العالم (فما بالك لأسرى سياسيين فدائيين)، بل وعجز العالم عن جعل إسرائيل تطلق سراحهم، خصوصاً أسرى ما قبل مرحلة اتفاقيات أوسلو، والذين توجد اتفاقيات بوساطة أميركية تعهدت فيها السلطات الإسرائيلية بإطلاقهم.

عن “الغد الاردنية”

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق