أقلام وآراء

التواصل الاستراتيجي، عباس والهولوكوست

 

:

حضرت خلال الأسبوع الماضي عدة اجتماعات وندوات وحفلات استقبال وقد كان مُلفتاً ‘طول’ الخطابات الرسمية في بعضها حتى أصيب الجمهور بالملل، وفِي مناسبات أخرى، أتقن المتحدثون فن التواصل الاستراتيجي وبمهنية عالية. مقال الْيَوْم سيتناول موضوع التواصل الاستراتيجي من ناحية علمية وسنحاول إلقاء الضوء على بعض الأسس والمعايير التي تحقق نجاحاً للخطاب الهادف وسنطبق هذه الأسس على رواية الهولوكوست وفلسطينية القدس.

بداية، لا بد من التفريق بين التواصل الاستراتيجي من جهة وبين العلاقات العامة وحملات البروباجاندا الإعلامية من جهة أخرى، بالرغم من اعتمادها جميعاً على بعض الأدوات المشتركة، فالعلاقات العامّة تهدف لعرض أحداث أو أشخاص بصورة جميلة بغض النظر عن حقيقتها والبروباجاندا تضلل الجماهير، أما التواصل الاستراتيجي فيتعامل مع الواقع ومهمته الرواية والسرد الصادق المبني على لغة الحقائق.

التواصل الاستراتيجي يتضمن عنصريّ التأثير والإقناع إلى جانب الإعلام، هناك أسس لا بد من أخذها بعين الاعتبار عند التواصل استراتيجياً:

١-الجمهور

٣-الرسالة

٣-اللغة

نقصد بالجمهور، الجماعة أو الفئة المستهدفة التي نود التواصل معها، مثلاً جمهور إناث، شباب، طلاب، نشطاء وممكن أن ينتمي الجمهور لمجموعة من ذوي الاختصاص من أطباء أو محامين أو فنانين أو أساتذة. ولا بد من التفريق إن كان هذا الجمهور محلي أو أجنبي لأن طبيعة الجمهور تحكم علينا استعمال لغة ووسائل وأدوات وكلمات دون غيرها.

عندما نتحدث عن الرسالة، نقصد الفحوى أو المعلومة أو العبرة المراد توصيلها وهنا قد تكون الرسالة إعلامية لتوضيح حقيقة مُبهمة أو بهدف التعليم وشرح وتوضيح مادة جديدة وقد تهدف الرسالة لتوضيح لُبْس ما أو إيقاف جدل معين. كما أن الرسالة قد تكون سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو رياضية.

أما اللغة، عادة ما تخطر ببالنا الكلمات، اللغة ليست فقط الكلمات المنطوقة أو المكتوبة، هنا نقصد اللغة من زاويتين: أولاً، اللغة كلغة أي عربية، إنجليزية أو فرنسية أو إسبانية أو غيرها وثانياً: اللغة من منطلق الفكرة أي مقدار سلاسة أو تعقيد اللغة المستعملة للتعبير عن الأفكار المستهدفة في الرسالة وهذا أيضاً يحدده الجمهور، كما أن التواصل الاستراتيجي لا يهمل لغة الجسد والإيماءات.

يستخدم الكاتب الأمريكي الشهير جوزيف نايه مصطلح المصداقية التنافسية وهذا يعني أننا في التواصل الاستراتيجي نتحدى بمصداقيتنا مصداقية الطرف الآخر، وعليه يجب أن نعترف أحيانا بالخطأ في حال تخطينا التفسير المنطقي للأدلة وتحول الخطاب إلى نقاش مضلل! تحديد وفهم الجمهور المستهدف هي مهارة في التواصل الاستراتيجي، فبعد تحديد الفئة وصياغة الرسائل لتحقيق التأثير المطلوب، لا بد من تقييم الأداء ومراقبة الأثر، وبناءً على النتائج قد نضطر لتغيير الرسائل بما يتلاءم مع ردود الفعل وهنا قاعدة أساسية في التواصل الاستراتيجي هي الحقيقة وبناء الرواية على الأدلة التي توضح ما نقصده دون ترك المجال لأي تفسير سلبي من قبل الخصوم.

الْيَوْم، من غير رواية، رسائلنا لا تملك أي معنى، السرد القصصي المختصر ذو البعد الإنساني هو ما يحقق كل التأثير الذي نصبو إليه. وهنا إن تناولنا موضوع الهولوكوست مثلاً، وكانت رسالتنا الاستراتيجية لهذا العام أن (القدس عاصمة دولة فلسطين) فممكن أن يأتي الخطاب على شكل سرد قصصي مثير كما يلي:

(كفلسطينية أرفض اضطهاد حقوق الإنسان وأرفض كل ممارسات الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني وأقف بوجه الظلم والقتل والعنف والإرهاب بكل أشكاله، قمت بزيارة متحف الهولوكوست الشهير في واشنطن لأهداف التعلم والدراسة، أما الحقيقة التي شدتني ويجب تسليط الضوء عليها فهي أن الخارطة الكبيرة المعلقة على الحائط في وسط المتحف تظهر مدينة القدس وتشير بالاسم إلى فلسطين دون أي ذكر لإسرائيل).

هذه قصة حقيقية أعزائي القرّاء وهي من الواقع الأمريكي-الإسرائيلي المُجسد بأبهى صوره في واشنطن، هذه رسالة تم صياغتها بطريقة قصة والجمهور هو إسرائيل وأمريكا وكل العالم الذي هاجم الرئيس عباس وأخرج كلماته بخصوص الهولوكوست من سياقها لتضليل الجماهير. الحقيقة أيها العالم أن الهولوكوست نفسه يعترف ويشهد بالكتابة الموثقة وبالخريطة المعلقة في متحف واشنطن أن القدس هي عاصمة فلسطين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق