فلسطين وسبعينية «دولة الهاي ـ تيك والبندورة» !

wait... مشاهدة
فلسطين وسبعينية «دولة الهاي ـ تيك والبندورة» !
حسن البطل

زميلي القديم، عبد الله عواد، المحتجب عن هذه الصفحة، كان في مقالاته يتحدث عن إسرائيل بوصفها “الدولة العبرية”. في سبعينية هذه الدولة، التي كانت قبل العام 1967 دولة الكيبوتزات والموشافيم، وصارت دولة المستوطنات، المسماة إسرائيل لا تعترف بـ”القومية الإسرائيلية” إلاّ في جواز سفرها، وفقط بصيغة أجنبية، تماشياً مع قوانين دولية لجواز السفر! يكتب ب. مخائيل (“هآرتس” 18 نيسان) أنه مع إعلان دولة إسرائيل ماتت “الدولة العبرية”. حتى إقامتها، كان كل شيء “عبرياً” عمل عبري، ثقافة عبرية، تعليم عبري، ولغة عبرية بالطبع.. لكن انقلب كل شيء في 15 أيار 1948 إلى “يهودي”. قبل أيام، وافق الكنيست بالقراءة الأولى على قانون القومية: إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي. حسناً، من يعدّ “أبو التاريخ” المدوّن، الإغريقي هيرودوت، كتب، قبل التاريخ الميلادي بخمسة قرون، عن “فلسطينيي سورية” في سياق رحلاته، ولا شيء عن يهود فلسطين، الموصوفة في كتبهم “أرض اللبن والعسل” و”دولة بلا شعب لشعب بلا دولة”! الآن، ربما على سبيل الوصف أو التهكُّم، تحدّث ديفيد ليفي عن إسرائيل اليهودية بوصفها “دولة “الهاي ـ تيك والبندورة”، وتحدث تسفي برئيل (“هآرتس” 25 نيسان) بقوله: دون مستوطنات، ودون تهويد، لا يوجد أي معنى لمفهوم “دولة إسرائيل” وهذا يعني “شجرة ولكن ليست شجرة كل أوراقها” أي ليست دولة كل مواطنيها. الدول الحديثة هي دولة كل مواطنيها، باستثناء فريدة دول، وعجيبتها، ومعجزتها، المسماة دولة إسرائيل، مع أن شاعرنا القومي لا يرى في معجزاتها سوى معجزة إحياء اللغة العبرية. .. وماتت الدولة العبرية مع إعلان إسرائيل، التي تحولت منذ احتلال العام 1967، من دولة الكيبوتزات إلى دولة المستوطنات، في “أرض اللبن والعسل” التي صارت “دولة الهاي ـ تيك  والبندورة”.. والقنبلة! حسناً، تحدّث أبو التاريخ المدوّن، هيرودوت، عن “فلسطينيي سورية”، وتحدّث صحافي إسرائيلي لا أذكر اسمه عن سورية بقوله: لولا سايكس ـ بيكو، لنشأ في سورية دولتان: سورية (ولبنان والأردن) وفلسطين جنوب سورية. لماذا؟ لأن لبنان، دون أقضيته السورية الأربعة، هو جبل لبنان، ودولة لبنان هامش سوري ـ أوروبي، أما الأردن فهو هامش فلسطيني ـ عربي. لفلسطين خصوصيتها السورية في ما كان “بلاد الشام” وللشعب الفلسطيني، الذي كان “فلسطينيو سورية” كيانه الخاص. بعد النكبة، طُمست فلسطين في نظر إسرائيل، وليس في نظر الشعب الفلسطيني، وقالت غولدا مائير: لا يوجد فلسطينيون، أنا الفلسطينية. فقد حمل يهود فلسطين، زمن الييشوف وقبل دولة إسرائيل، جواز سفر الانتداب البريطاني بوصفهم من سكان فلسطين. خصوصية فلسطين، وخصوصية النكبة، صارت خصوصية حق العودة.. وخصوصية دولة فلسطين، التي هي بمثابة هندسة عكسية لخصوصية دولة إسرائيل. “الدولة القومية للشعب اليهودي” لا تريد دولة وطنية للشعب الفلسطيني، كما لا تريد أي حلّ (إنساني، تاريخي، قانوني) لحق العودة. في فجر الكفاح الفلسطيني المسلّح، بعد النكبة، زعمت دولة إسرائيل، أن الفدائيين مجرد سلاح في يد دول وجيوش عربية مهزومة، وأن حق العودة سلاح فلسطيني وعربي لإلغاء إسرائيل اليهودية وحقها في الوجود! آخر ادعاء في هذا المجال كان لموشي آرنس (“هآرتس” 23 نيسان). يقول: لكل حرب لاجئوها. اللاجئون الألمان في بولندا عادوا لألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. كما بعد تقسيم الهند إلى الهند وباكستان، وتفكيك يوغسلافيا. ما الذي يتجاهله آرنس، وزير دفاع سابق، وأحد أمراء الليكود السابقين؟ اللاجئون بعد الحروب عادوا إلى دولتهم الوطنية ـ القومية. ألمانيا، الباكستان، وكرواتيا وكوسوفو بعد تقسيم يوغسلافيا.. إلخ! إسرائيل لا تريد دولة فلسطين، ولا تريد حتى عودة اللاجئين الفلسطينيين في الشتات العربي إليها، ولا تريد حتى عودة النازحين الفلسطينيين في إسرائيل إلى ما يمكن من قراهم، بعد أن أقامت إسرائيل 700 مدينة وبلدة ليهودها.. ولا شيء للفلسطينيين فيها (باستثناء عراد في النقب)! بلاد الشام، بعد سايكس ـ بيكو، صارت أربع دول (سورية، لبنان، الأردن.. وإسرائيل) وفيها خمسة شعوب، منذ أن قال هيرودوت “فلسطينيي سورية”. مع النكبة السورية الجارية، بعد النكبة العراقية قبلها، والنكبة الفلسطينية، انتهز صحافي إسرائيلي حال دولة سورية، وطالب بحق إسرائيل في ضمّ الجولان، لأن إسرائيل تحتله منذ نصف قرن، أي أطول مما كان جزءاً من الدولة السورية.. وايضاً، بسبب آخر “لا يوجد فيه فلسطينيون”! سبعينية إسرائيل، وخمسينية الاحتلال اللاحق لفلسطين.. وبعد 30 سنة سيصير عمر إسرائيل قرناً، أي أطول عمراً من الهيكل الأول والهيكل الثاني. اعتاد رسّامو الكاريكاتير العرب، قبل حرب النكسة، أن يرسموا إسرائيل أفعى، ويقال إن الأفعى ذات المائة عام تصير في الأساطير “مقرّنة” أي ذات قرون، وهي كذلك ذات قرون نووية وتكنولوجية، ولكن حق الدولة الفلسطينية وحق العودة سيبقيان مشكلة إسرائيل. إسرائيل السبعينية فخورة بنجاحها على غير صعيد، باستثناء إلغاء فلسطين والشعب الفلسطيني. بعض الإسرائيليين يقولون إن مملكة إسرائيل انقسمت بعد 70 سنة على تتويج شاؤول إلى: إسرائيل، ويهودا، وبعد سبعين سنة انهار الهيكل الثاني. لنترك المقارنات والأساطير والتاريخ جانباً. هناك حقيقة سياسية فلسطينية، ومنها معجزة نهوض اللاجئين الفلسطينيين.

المصدر - وكالة نبض
2018-05-03 2018-05-03
أبو موسى