أقلام وآراء

المسؤول عن الجريمة هو المستفيد

تشعّبت واتّسعت ردود الفعل، على المحاولة المجرمة التي استهدفت موكب رئيس الحكومة الدكتور رامي الحمد الله، والوفد المرافق له، بعد مسافة قصيرة من حاجز بيت حانون فيما كان متجهاً إلى غزة. لست أدري ما هي قيمة التصريحات التي لا تكتفي بإدانة الفعل الإجرامي، وهو أمر لا بأس به، فتذهب إلى شروحات وتحليلات تنطوي على تحريض، أو تشكيك أو توجيه اتهامات في غير محلها. لماذا لا يصبح المسؤول مسؤولاً إلاّ حين تستفيض في النفاق، وإظهار حرص زائد، والخروج عن الأصول في مثل هذه الحالات. كان لا بد أن يتقيد الناس، بالتصريحات الرسمية المخولة بالتعبير عن المواقف. لقد كان قرار الرئيس محمود عباس حكيماً حين طالب المسؤولين بعدم المساس وتوخي الحذر إزاء تناول زعماء عرب ببعض الاتهامات. بازار واسع شهدته ردود الفعل على المحاولة الإجرامية، فالبعض اتهم حماس بالتورط، وآخرون نفوا ذلك، والبعض الآخر، فسر الأمر على أنه يندرج في اطار العمل من أجل، قيادة بديلة، وترتيبات ما بعد الرئيس. نعم حركة حماس تتحمل المسؤولية من واقع كونها الطرف الذي يدير الوضع في قطاع غزة حتى الآن لكن هذه المسؤولية تعني، أن هناك تقصيرا ما في الإجراءات الأمنية التي تتصل بحماية الموكب والوفد، وتتحمل المسؤولية من خلال متابعة التحقيق والتوصل إلى الفاعلين. اللواء توفيق أبو نعيم، أعلن أن الأجهزة الأمنية باشرت فوراً بالتحقيق وأنها أمسكت بطرف خيط قوي، ورحب بمن يرغب المشاركة في التحقيق.
في كل الحالات ما كان لحركة حماس أن تتجاهل مسؤوليتها في ملاحقة الفاعلين، فالأمر يلحق أضراراً بليغة بمنظومة الأمن ويرسم علامة استفهام حول قدراتها، ونواياها، فضلاً عن أنه يضرب المصالحة في مكان موجع. خلط الأوراق على النحو الذي ظهر في التصريحات الواسعة، لا يدل فقط عن ضعف الشعور بالمسؤولية من قبل البعض الذي يعترف من حيث لا يعرف وإنما يثير علامات استفهام، ويدفع الأمور نحو زوايا خطرة في البحث عن الجهة المسؤولة. بالتأكيد مثل هذا العمل الجبان لا يمكن أن يكون فردياً من شخص غاضب، لديه دوافعه الخاصة للثأر والاحتجاج، وإنما هو عمل منظم تقف وراءه جهات معادية.
عند التحقيق في مثل هذه الجرائم، يبدأ المعنيون بسؤال حول صاحب المصلحة الحقيقية في ارتكاب الجريمة، ومن هناك يبدأ التحقيق ضمن دوائر محدودة. الإجابة عن السؤال ستشير إلى إسرائيل أولاً لكونها صاحب المصلحة الحقيقية عن استمرار الانقسام لفرض مخططاتها المتوافقة تماماً مع المخططات الأميركية التي تحمل عنوان «صفقة القرن». ممنوع على الفلسطينيين أن يستعيدوا وحدتهم، حتى تتهيأ الظروف المناسبة لفرض دولة غزة، كمفصل أساسي في مخطط تصفية القضية الفلسطينية وشطب المشروع والحقوق الوطنية الفلسطينية.
في شباط 2014، سألني أحد الأطباء خلال ندوة سياسية عن احتمال وقوع مصالحة، فقلت نعم هناك مصالحة، ثم أردف سؤالاً حول احتمال وقوع حرب إسرائيلية على قطاع غزة فأجبته بالإيجاب.
في توضيح أسباب الإجابة، أشرت إلى أن المصالحة خيار استراتيجي اضطراري للكل الفلسطيني، ولكن بقاء الانقسام وتحويله إلى انفصال هو خيار استراتيجي لإسرائيل، ولذلك فإنها ستقوم بأي عمل لإفشال هذه المصالحة. في شهر نيسان من نفس العام، تم الإعلان عن اتفاق الشاطئ، وبعده بشهرين تم الإعلان عن تشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة الدكتور الحمد الله وبعد شهر واحد شنت إسرائيل عدوانها الواسع على قطاع غزة.
ثمة جهات أخرى يمكن أن تكون وراء الجريمة لأسبابها الخاصة وإن كانت في النهاية تصب في مصلحة إسرائيل. الكل يعرف أن الجماعات التكفيرية الإرهابية، موجودة في قطاع غزة، وأنها على حالة عداء مع حماس ومع الكل الفلسطيني، وهناك، أيضاً، جماعات المصالح، تلك الجماعات المستفيدة من الانقسام واستمراره، لكن الاحتمالات لا تقف عند هذا الحد، ولكنها أضعف من الاحتمالات السابقة، فثمة من يسعى لإفشال الدور المصري مثلاً.
يستدعي الأمر الصبر، وانتظار نتائج التحقيق، التي نفترض أن تكون سريعة، وتقدم الحقائق أمام الجميع، وإلى ذلك الحين، من غير المعقول أن تنشب معركة إعلامية تتسم بعدم الموضوعية والتسرع وإطلاق الاتهامات الجزافية، الأمر الذي سيؤدي إلى تعميق أزمة الثقة، التي تسمم العلاقات الوطنية. على الخط ذاته نتمنى أن لا يسرف المسؤولون في التصريحات المتفائلة بشأن المصالحة، فلقد ملّ الجمهور الفلسطيني من كثرة خيبات الأمل. لا تعني شيئاً بالنسبة للمواطن الفلسطيني كثرة الحديث عن الالتزام بالمصالحة، والحرص على إنجازها، وتوجيه الاتهامات بشأن تعطلها كل للطرف الآخر، تصبح مثل هذه التصريحات وكأنها محاولة فقط لتبرئة الذمم، طالما أن المصالحة متعطلة، وتتعرض للمزيد من النكسات. في هذا السياق ثمة توظيف خاطئ للجريمة، حين يقول البعض أن على حماس أن تمكن الحكومة، وتتحدث عن ملفات عالقة هي الجباية، والأمن والشرطة والدفاع المدني. المواطن لم يعد يفهم شيئاً، ففي تصريحات سابقة جرى الحديث عن ملفي القضاء والأراضي إضافة إلى الملفات سالفة الذكر.
السؤال الأهم هو إذا كان الجميع يتحدث عن أن الهدف من وراء ارتكاب هذه الجريمة هو إفشال المصالحة، وأن هذا الهدف يندرج في سياق محاولات تصفية القضية الفلسطينية فإن ذلك يعني بالضرورة المبادرة لاتخاذ إجراءات ومواقف عملية في اتجاه دفع المصالحة من أجل إفشال تلك المخططات. غير أن الواقع يشير إلى أن الحركة تدور في الاتجاه المعاكس، نحو تعطيل المصالحة ولا نقول إفشالها لأن لا مصلحة لأحد في إفشالها. في الأخير فإن المواطن الفلسطيني يحتار في أمر قياداته وحساباتها السياسية، في ضوء مراقبته للمزيد من الخطوات العملية التي تصب في اتجاه تصفية القضية، أم أن الزمن يفقد قيمته إذا لم يتطابق مع حسابات هذا الطرف أو ذاك؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق