أقلام وآراء

حرب الغاز في الشرق الأوسط

حرب على الأرض، حرب على الماء، حرب على النفط، وحرب على الغاز.
الحرب على الغاز ليست السبب الحقيقي للحرب القادمة، وكما لم تكن الأسباب الحقيقية للحروب السابقة معنونة دائماً بالعنوان الصحيح للحرب فإن حرب الغاز ليست هي العنوان الحقيقي لها.
الحرب القادمة اذا وقعت – وهي ستقع في أغلب الظن – فعنوانها الحقيقي هو الهيمنة والسيطرة للمشروع الصهيوني على المحيط الذي يحيط بالدولة العبرية.
هنا قد يبرز الغاز في المرحلة القادمة كعنوان من عناوين السيطرة كما كانت مياه نهر الأردن عنوان الحرب التي قامت في حزيران ٦٧.
الأرض كانت عنوان حرب تشرين، والسلاح كان عنوان حرب العام ١٩٨٢ وقوة المنظمة السياسية، والسلاح وقوة ونفوذ حزب الله في لبنان كان عنوان الحرب على لبنان في العام ٢٠٠٦. وكذلك الحروب التي شُنت على غزة في العقد الأخير كان عنوانها السلاح والنفوذ وخوف إسرائيل من فقدان الردع الذي يؤمن لها الهيمنة والسيطرة.
الغاز، نعم هو عنوان من عناوين السيطرة والهيمنة في العقد القادم ولذلك فإن اسرائيل ستقوم بالحرب اذا شعرت ان احداً في هذا الاقليم يمكن ان يمنع اسرائيل من عنصر الهيمنة على هذه السلعة الهامة على كل الأصعدة، الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية.
لهذا بالذات فإن إسرائيل تواجه تحديات استراتيجية بالعلاقة مع معظم عناصر الهيمنة التي تعمل على تكريسها.
فقضية الأرض لم تحسم لا في الضفة ولا في غزة ولا في الجولان ولا في مزارع شبعا.
صحيح أن الصراع على الأرض يأخذ بعداً مباشراً في الحالة الفلسطينية ولا يأخذ الصراع على الارض نفس الاهمية والاولوية في الحالتين السورية واللبنانية، لكن مسألة الارض ما زالت عالقة ويمكن ان تتحول الى قضية مركزية وهامة وذات اولوية مطلقة في لحظة معينة من تطور الصراع.
اما الصراع على السلاح والتسلح فهو ليس عنواناً من عناوين الصراع في الضفة لكنه كذلك بالنسبة للقطاع.
اما في الحالتين السورية واللبنانية فإن مسألة السلاح والتسلح تأخذ ابعاداً غاية في الاهمية والحساسية.
هنا السلاح له تأثير كبير على الهيمنة والسيطرة الاسرائيلية، فاسرائيل اكثر من قلقة على هذا الصعيد. فقد اضيفت الى السلاح والتسلح عناصر استراتيجية جديدة ومنها على سبيل المثال لا الحصر التدخل والوجود الروسي في سورية، إضافة طبعاً، الى الوجود الإيراني الذي حتى وان كانت إسرائيل تتعمد المبالغة القصوى في الدور الايراني في سورية الا أن المسألة بغض النظر عن المبالغات فإن لها أهمية خطيرة على كل حال.
الحرب على الغاز اذا جاز التعبير ستكون خاصة للغاية، لأنها في الواقع تطال السلاح والتسلح والردع والأرض، ما يعني ان هذه السلعة ستكون عنوانا رئيسيا يكثف عنصر الهيمنة والتوسعية الاسرائيلية، ويرمز في الواقع الى القدرات والامكانيات الاسرائيلية التي يمكن ان تستخدم في حرب بهذه الاهمية وبهذه الشمولية.
انها المرة الاولى في تاريخ اسرائيل التي لا تستطيع فيها خوض حرب دون حسابات دقيقة وحساسة غاية في الخطورة. فالحرب لن تكون محدودة جغرافياً على ما يبدو.
اذا قامت الحرب على سورية مثلاً فمن المؤكد ان جبهة لبنان لن تظل ساكنة، وقد لا تظل ساكنة جبهة غزة نفسها، وقد تصل الامور الى صدام اسرائيلي ايراني مباشر، وقد تمتد الحرب في بعض فصولها لصدامات سريعة ومحدودة بما يمس الوجود الروسي والاميركي في سورية، وربما ان قوى معينة لن يروق لها السكوت في الداخل السوري والعراقي.
اذن العنوان هو الغاز، وقد يُشعل حرباً اقليمية لا يمكن لاسرائيل ان تذهب اليها بالبساطة التي كانت تذهب اليها اسرائيل في حروب سابقة.
الجهة الوحيدة التي تستطيع اسرائيل الاستفراد بها هي قطاع غزة، وهي ليست ذات وزن كبير في المعادلة العسكرية ولا في معادلة الغاز، ما يعني ان قرار الحرب على غزة حتى لو اتخذته اسرائيل فإنه في الواقع لن يعطي لها اية مكاسب استراتيجية على مستوى الهيمنة والسيطرة التي تعتقد انه بات بالامكان تكريسها على مستوى الاقليم.
لهذا كله، فقد كان لافتاً للغاية ما قاله امين عام حزب الله في كلمته الاخيرة، والتي كانت مدروسة بعناية وتليت بصيغة معينة تحمل التهديد دون ان يهدد مباشرة.
اراد امين عام حزب الله ان يقول لاسرائيل ان الهيمنة في طريقها الى الردع، وثمن الهيمنة سيكون كبيراً، والسلاح باق على ما هو عليه، والارض قصة ممتدة ولم تنته بعد، وزمن الحروب السهلة في «ارض العدو» اصبح خلفنا، والحرب القادمة ان وقعت فهي مفتوحة على كل شيء، وفي كل الاتجاهات، وليس لها خطوط حمر واقصى ما لها من الوان هو اللون الاصفر الذي يسبق الحرب مباشرة.
ان وقعت حرب «الغاز» القادمة على جانبيها ستنتظر قطر وتركيا النتائج التي ستنتهي اليها. فإما ان تخسرا الحرب مع إسرائيل وأما ستنتعشان معاً في ظل المصالح المباشرة لهما في السلعة وخطوط مرورها الى أوروبا.
أما روسيا فإنها ستعمل على خوض حرب الغاز القادمة بالأدوات القائمة في سورية، لأن صمود سورية ولبنان وايران في تلك الحرب يعني ان سوق الغاز العالمية أصبحت تحت السيادة الروسية المطلقة.
الحرب القادمة ان وقعت هي أخطر الحروب واصعبها على كل الاطراف ولكنها الأصعب على إسرائيل حتماً.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق