أخبار العالمرئيسي

العقوبات الاميركية تقيّد المؤسسات… وتحرر حزب الله

لا يختلف اثنان على أن الدولة اللبنانية بمؤسساتها الرسمية وقطاعاتها المصرفية والتجارية، باتت تحت مجهر الرقابة الدقيقة للإدارة الأميركية، التي لا تفوّت صغيرة ولا كبيرة الاّ وتوجه فيها رسائل حازمة، تحذّر من مغبّة تخطي القوانين الأميركية التي تشدّد سنة بعد سنة عقوباتها على «حزب الله»، وتأخذ بجريرتها الشعب اللبناني برمته.
الكلام العالي السقف الذي أطلقه وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون من بيروت تجاه «حزب الله»، ينطوي على معطى جديد، عبر تأكيده أن «لا فرق بين الجناح العسكري والسياسي للحزب» الذي تصنّفه الولايات المتحدة «منظمة ارهابية»، هذا في الظاهر، لكنّ في المضمون، فإن المعني بهكذا رسالة ليس الحزب وحده الذي بات آخر المتضررين من تلك العقوبات، إنما الحكومة اللبنانية التي تضمّ وزراء للحزب، خصوصاً وأن رئيس الدبلوماسية الأميركية عبّر عن الموقف الجديد لإدارته من على منصّة السرايا الحكومية، وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئىس الحكومة سعد الحريري، وفيه إنذار واضح بأن العقوبات قد تصبح كرة متدحرجة تطال أعضاء في الحكومة وقيادات سياسية تغطي الدور السياسي والعسكري للحزب داخل لبنان خارجه.
ما يستشفّ من الزيارات الأميركية المتتالية للبنان، أن ضغوط واشنطن تتخطى في جوهرها مزاعم إدارة دونالد ترامب، الرامية الى التضييق على مصادر تمويل «حزب الله» في سياق ما تسميه «مكافحة تمويل الارهاب»، لكنّ الرسائل تلك، تنطوي على بعدين هامين، بحسب مصادر سياسية مطلعة على فحوى ما نقله الأميركيون للجانب اللبناني، الأول يصبّ في خانة الضغط على لبنان لتقديم تنازلات تهدف الى تجاوز الخرق الاسرائيلي للسيادة اللبنانية، المتمثّل ببناء الجدار الفاصل عند الخطّ الأزرق، والثاني التسليم بحصّة الدولة العبرية في ملكية البلوك رقم 9 الواقع ضمن المنطقة الإقتصادية اللبنانية الخالصة، والذي يعوّل لبنان على مخزونه من النفط والغاز.
الخطر الذي استشعرته القيادات اللبنانية مما في جعبة تيلرسون، يأتي استكمالاً للمهمة التي قام بها مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب مارشال بيلّينغسلي إلى بيروت أواخر شهر كانون الثاني الماضي، والتي حملت أيضاً رسائل سياسية ومالية على حدّ سواء، تحمل لهجة قاسية أقرب الى التهديد، باعتبارها تترجم السياسة الأميركي الجديدة في الشرق الأوسط، والتي تأتي تحت عنوان «مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة»، وتحديداً في لبنان وسوريا، بإعتبارها سياسة مهددة لأمن اسرائيل على المدى الاستراتيجي.
تكاد اللائحة الأميركية بمضامينها الجديدة لا تنتهي، فإدارة باراك أوباما التي اعتمدت التهدئة مع «حزب الله» وأبقت على تصنيفة «تنظيماً إرهابياً» مع وقف التنفيذ لأي عقوبة، مراعاة وإحتراماً للإتفاق النووي الذي وقعته مع ايران، باتت من الماضي، على حدّ تعبير خبراء مطلعين ما يجري في مطابخ إدارة ترامب أدخلت الأخيرة تعديلاً على التصنيف، عبر تسمية الحزب كـ»منظمة إرهابية إجرامية»، تتعقب دور الحزب المزعوم بـ«غسل الأموال وتجارة المخدرات، ونسج شبكات في دول العالم»، من أجل توسيع مروحة العقوبات على الحزب وتوسيع نطاق التفتيش عن مصادر تمويله.
ويكشف الخبراء المتابعون لكل ما يدور في الكواليس، أن زيارة بيلّينغسلي، لم تتوقف عند الرسائل السياسية، انما اشتملت على تحذير شديد اللهجة إلى القطاع المصرفي، بعد معلومات جرى تداولها وهي معروفة المصدر،  تفيد بأن بعض المصارف اللبنانية تلقت إنذاراً أميركياً، ينصحها بـ«اتخاذ تدابير عاجلة حيال حركة أموال وتحويلات تحوم بعض الشبهات حولها، وضرورة شرح ملابسات هذه الحركة». وهو ما أيده مصدر مصرفي، حيث أكد أن التحذير الأميركي «يؤخذ على محمل الجدّ، لأن المصارف لن تغامر بأي خطوة تفسّر على غير حقيقتها، لأن كلفتها ستكون غالية، وتجربة البنك اللبناني الكندي لا تزال ماثلة أمام الجميع».
غير أن العقوبات المالية التي يراد بها استهداف «حزب الله» وتجفيف مصادر تمويله والتضييق عليه، جعلت الحزب أكثر تحرراً حيث بات آخر المتضررين منها، وفق ما أكد المصدر المصرفي، الذي أوضح أن «الآثار السلبية للإجراءات الجديدة المفروضة طالت بالدرجة الأولى المصارف اللبنانية حيث عبر تقييدها باتباع أساليب معقّدة، تحدّ جزئياً من نسبة الودائع، وبالدرجة الثانية المواطنين اللبنانيين المجبرين على اتخاذ تدابير صعبة ومرهقة». لكنه لفت الى أن البنوك «مضطرة للتقيّد بمنطوق القانون الأميركي حتى لا تقع في مقصلة العقوبات»، كاشفاً أن المصارف «شددت من إجراءاتها، بعمليات تدقيق في كل عمليات فتح الحسابات الجديدة، وفق مقتضيات التعديلات التي أدخلتها  وزراة الخزانة الأميركية على العقوبات المالية التي تطال الحب وكياناته المالية والاقتصادية». وقال «أي عملية تحويل يعتريها أدنى شكّ تحال فوراً إلى هيئة التحقيق الخاصة بالمصرف، التي تتبادل المعلومات حولها مع مصرف لبنان، كي لا تخرج التعاملات المالية عن نطاق المنطقة الآمنة»، مشيراً في الوقت نفسه الى أن «العقوبات باتت تعقّد العمليات المصرفية، بينما يبدو «حزب الله» غير أبه لها، أو أقله هو آخر المتضررين منها».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق