أقلام وآراء

الاتصال والتواصل وإدارة السمعة

الأهم من تقديم الخدمة وأداء المهمة طريقة تقديمها والرضى عنها من قبل المتعاملين مع المؤسسة، هذا جزءٌ من إدارة السمعة والاتصال والتواصل، وفي ضوء الثورة التكنولوجية وتنوع مصادر التواصل وتعددها باتت كبسة زر توصل رسالة لملايين، ولأن الرقابة الذاتية وعدم اعتماد معيار الآثار المستقبلية لما نشرت كون الناس اليوم متاح أمامهم كتابة ما يفكرون به في ذات اللحظة.
ولعل أهم القضايا التي فرضها الاتصال ووسائله موضوع ” إدارة السمعة ” وتلك باتت قضية محورية يتم عقد وُرش العمل والمؤتمرات لها ولبحثها وخصوصاً التركيز على جانب الاتصال الحكومي كون المؤسسات الحكومية الأكثر تماساً مع الجمهور ورؤيتها شمولية للشعب كافة ولكافة المواقع الجغرافية، وبالتالي فإن جودة الخدمة والرضى عنها من قبل المستفيدين هو الأساس، وتصبح إدارة السمعة وصناعة الصورة قضايا مهمة في جميع قطاع الاتصال الحكومي والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع الأهلي.
اليوم بات ملحاً التعاطي مع رضى المستفيدين والذين غالباً، وهذا ليس ذنبهم، يعتبرون ان الإمكانيات غير المحدودة ولن يؤثر عليها تلبية احتياجات المجتمع المحلي، الأمر الذي يتطلب إيصال الرسالة بوضوح، ومن المعلوم في علم الاتصال، أن الكثير من سلوكاتنا تجاه مختلف القضايا والمؤسسات لا يتم وفق ما تقوم به المؤسسات فقط من أدوار، ولكن وفق ما نراه نحن، وما هو مطبوع لدينا من صور حولها، فنحن لا نرى الأشياء كما تحدث، ولكن كما نفسرها نحن.
وتعتبر هنا إدارة السمعة واحدة من أهم القضايا التي تتطلب تواصلاً مستمراً ومؤسسياً لرسم صورة إيجابية عن المؤسسة وخلق ولاء من قبل جمهورها والمستفيدين منها، والذين سيشكلون سنداً في كل الأوضاع لزوال الحاجز بين المؤسسة وجمهورها من خلال الاتصال المؤسسي المستمر، ونشر السمعة الإيجابية عن المؤسسة في البيئة التي تعمل بها والمؤسسات الشريكة لها من بلديات ونقابات مهنية ومؤسسات دولية وإقليمية.
وحتى أكون أكثر تحديداً هناك مؤسسات تمتلك إنجازات وأداء مميزاً، إلا ان رسالتها لا تصل بوضوح وتقتصر على شريحة بعينها ولا تصل الى الجمهور العريض الذي يعتبر فئة مستهدفة في الاتصال والتواصل، وأحياناً يكون محتوى الرسالة غير واضح خصوصاً عند طرح برنامج جديد سينظم في مؤسسة ما ويُستخدم المصطلح العلمي البحت دون توضيح له، الأمر الذي لا تعيره الفئات المستهدفة الاهتمام المتوقع واللازم النابع من “حماس” المؤسسة للإمكانيات التطويرية التي يمتلكها هذا البرنامج.
أذكر مثلاً إبان سيطرة وتفرد البريد الإلكتروني على عمل الاتصال المؤسسي دون غيره كانت هناك مجموعة مستهدفة بكبسة زر ترسل مئات الرسائل لأشخاص عدة، وما هي الا لحظات حتى تبدأ الاستغاثة ارحمونا نحن لسنا مهتمين بالأمر، وحتى المهتمون بات الأمر مزعجاً لتكرار الإرسال أكثر من مرة في اليوم، وهذا ما يحدث اليوم في وسائل الاتصال الحديثة والمتنوعة، حيث يتكرر الإرسال في عدد من الاتجاهات لأشخاص أيضاً غير مستهدفين، وتلك محاذير يجب الانتباه لها لأن “النميمة” تتصاعد في هذا المجال ومدى إزعاجها وعدم جدواها لتكرارها.
وبات ملحاً عدم الركون للاتصال المتواصل ووسائل الاتصال دون فعل على ارض الواقع وتحقيق إنجازات وتعميق شعور المستفيدين بالفائدة مما يتم عمله، لأن استمرار الاتصال دون محتوى ودون إنجاز وفعل على الأرض لن يكون مجدياً، وهذا يتطلب تنفيذ الخطط الاستراتيجية والخطط السنوية على أرض الواقع وتوضيح المعيقات التي تحول دون تنفيذ بعض المشاريع، وتعزيز الصورة الإيجابية يتطلب أيضا تعظيم المسؤولية الاجتماعية لدى المؤسسات خصوصا في ضوء الإفصاحات المتكررة عن حجم الأرباح لعام 2017 قبل أيام، الأمر الذي يتطلب عكس قيمة المسؤولية الاجتماعية ضمن نسبة محددة ومعايير واضحة، وتلك من الأهمية لعكس الصورة الإيجابية عن تلك المؤسسات ودورها المجتمعي.
ويبقى المعيار أن مكانة المسؤول تتعزز بمقدار ما ينجزه من إنجازات وفي حالات بات ملحاً تدخل المسؤول الأول في بعض القضايا المفصلية التي تتطلب معالجة حالة عدم رضى لدى جمهور المستفيدين نتيجة لخطأ في محتوى التواصل والاتصال، وغالباً ما تكون فكفكتها على يد المسؤول الأول سهلةً وممكنة، وتلك قضية مجربة ومعروفة وطالما عالجت قضايا قد تؤثر على سمعة المؤسسة المعنية وبقية المؤسسات الشريكة. من هنا نتحول صوب الرضى الذي هو هدف للمؤسسات كافة.
وعند الحديث عن الاتصال والتواصل فانه ليس باتجاه واحد مطلقاً، فالتركيز على الاستقبال مهم جداً أكثر من العناية بالإرسال فقط، إذ إن التغذية الراجعة مهمة وحيوية ومؤشر تدلل لدى المؤسسة عن مدى الرضى وعدمه، ولا يجوز غض الطرف عن الاستقبال وضرورة التفسير لهم.
وحتى أكون موضوعياً غالباً ما يتم تخصيص لمؤسسات جزء من الموازنة او تخصيص بنود مالية من قبل مجلس الإدارة أو تمويل لمشاريع مؤسسات غير حكومية، الا أن القدرة الاستيعابية لبعضها ضعيف جداً ولا يستطيع تحديد أوجه الصرف وإنفاقها بطريقة رشيدة، الأمر الذي يخفض سقف التخصيص على قاعدة انها ليست بحاجة، لذلك بات ملحاً ربط البنود المالية بالخطة السنوية النابعة من الخطة الاستراتيجية ومن القدرة على الإنفاق الرشيد، وعدم تعثر العمل رغم توفر البند المالي ونقع في المحظور المساءلة المجتمعية.
وغالباً ما يكون غياب القدرة على توضيح أهمية ودور وصلاحيات المؤسسة عبر التواصل وبالتالي ضعف إدارة السمعة، محزن أن تسمع إعلامياً لا يعرف صلاحيات ودور مؤسسة ما، أو ان إعلامياً لا يعرف مدى صلاحية تلك البلدية او ذاك المجلس القروي، وهذا ليس ذنبه اذا لم توضح وتفرض المؤسسات أدوارها وصلاحياتها عبر الإنجاز والعمل، وأذكر قبل عام 2000 كيف أُثير نقاش حول الفرق بين التنمية الحضرية والتخطيط الحضري ولماذا توجد كل منهما في وزارتين، وحسم الأمر ان يستمرا في الوزارتين لعدم القدرة على التفسير لوزارة التخطيط آنذاك.
منذ اللحظة التي تصاعدت فيها حملة مقاطعة المنتجات الإسرائيلية ودعم المنتجات الفلسطينية بات السؤال ملحاً عن الجودة والتنوع في المنتجات الفلسطينية، الا أن غالبية الشركات الفلسطينية أحجمت عن الاتصال والتواصل وإدارة السمعة والتركيز على أنها حاصلة على المواصفة وتعتمد معاير الجودة، ونجحت الشركات التي صنعت المحتوى وقدمت رسالة واضحة عن الجودة وعن توفر مواد خام فلسطينية والأيدي العاملة والمسؤولية الاجتماعية وتنوع المنتجات، هذا مثال على الفرق الواضح بين آليات الاتصال وإرسال للرسالة للجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق