أقلام وآراء

الشهداء، ومهابطنا الثورية

في النضال الوطني ضد الاحتلال تبرز قضايا فرعية كثيرة، أحيانا تكون ملحة جدا، وتفرض نفسها بقوة، من بينها قضية الجواسيس، والخطأ الذي يقع فيه بعض المناضلين هو تركهم القضية الرئيسة (مواجهة العدو)، وانشغالهم بمحاربة العملاء، وهذا كان الخطأ القاتل الذي أنهى ثورة الـ 36، وكان من أهم الأخطاء التي أدت لتفتيت وتبديد الانتفاضة الأولى، وما زلنا نكرر نفس الخطأ، ومن الواضح أننا لا نريد أن نتعلم من دروسنا!
وهذه الممارسات تدعى “مهابط ثورية”، لأنها تهبط بالنضال وتجره إلى مواقع لا تفيد إلا العدو المركزي، فهي لا تدمر النسيج المجتمعي وحسب، بل وتحمّل الثورة أوزارا كثيرة، وتحرفها عن مسارها الصحيح.. لا أقلل هنا من خطورة الجواسيس، ولكن معالجة هذا الملف تتطلب حكمة ووعيا، ولا تعالج بالاتهامات والتصفيات الداخلية، التي كثيراً ما أودت بحياة أبرياء.
والتركيز على الجبهة الداخلية لا يقتصر على مواجهة الجواسيس، بل ويشمل من يصنفهم البعض بالمتخاذلين، أو حتى الناس العاديين، الذين يعيشون حياتهم بشكل أشبه بالطبيعي (أو يحاولون ذلك على الأقل)، فمثلا كثيرا ما يحدث أن يستشهد أحد المقاومين، على الفور، وبمجرد سماع الخبر، يبادر متحمسون للهجوم على الأسواق، والطلب من المحلات أن تغلق أبوابها، وتعلن الإضراب والحداد.. حتى أنهم بدلا من مواساة أهل الشهيد، والتعبير عن حزنهم، والتفكير برد مناسب ضد من قتلوه، يقومون بتوجيه غضبهم ضد الأهالي! وحتى في التظاهرات الشعبية التي تجوب الشوارع، تجد البعض يردد هتافات معادية ضد الناس الذين يقفون متفرجين، أي الذين لم ينخرطوا في التظاهرة!
وهنا أيضا الموضوع ليس تبرير تقاعس الناس عن المشاركة، لكن مشاركة الجماهير في الفعاليات النضالية مسألة معقدة، وهم لا يستجيبون بكبسة زر، ومستوى مشاركتهم متفاوت ومتباين، وليس بالضرورة يجب أن يقتصر على الشكل الذي يقرره هذا الفصيل أو ذاك.
وأيضا، في بياناتنا “الثورية” ننهيها عادة بعبارة “الخزي والعار للمتخاذلين والأنذال”… بدلا من الخزي والعار للاحتلال! هذا الخطاب يصنف الناس، ويتهمهم بطريقة مواربة، ولا يكسب قلوبهم.
نأتي إلى موضوع التنسيق الأمني، والأسطوانة المكررة بتوجيه الاتهام للسلطة، وتخوينها، وصب جام الغضب عليها كلما استشهد أو اعتقل مناضل.
من جهتي، أرفض التنسيق الأمني جملة وتفصيلا، وأعتبره أسوأ وأخطر إفرازات أوسلو.. وطالما طالبت بوقفه.. ولكني أرفض بشدة تحميله ما لا يحتمل، وجعله مشجبا نعلق عليه كل أوزارنا، ومبررا نداري فيه عجزنا وتقصيرنا (أقصد نحن الجماهير والفصائل).
أنا شخصيا، لا أعرف الكثير عن التنسيق الأمني: حدوده، ومجرياته، وإلى أي مدى تصل به الأمور.. وأجزم أنّ الأغلبية الساحقة من الناس لا تعرف أكثر مني حول هذا الموضوع تحديدا، وكل ما يتم تداوله عبارة عن تكهنات، وتخمينات، وربط بين الأحداث دون معلومات حقيقية، أو أدلة مادية، أو حتى استنتاجات عقلانية موضوعية.. حتى أصبح الحديث عن التنسيق الأمني مجرد وسيلة للنيل من السلطة، واتهامها بأبشع التهم، واستخدامه لأغراض الدعاية الحزبية، وتصفية الحسابات..  باختصار صار مادة فيسبوكية تدر دخلا كبيرا من اللايكات.
ذات يوم كنت متجهاً إلى “بورين”، وعند مدخل القرية كانت تقف دورية إسرائيلية، توقفتُ قليلا، إلى أن أشار لي الجندي بالعبور، وحين صرت قبالة الدورية لمحت الجنود يضعون خارطة كبيرة ملونة للقرية بشوارعها وأزقتها وبيوتها.. كانوا يجرون تمرينا على اقتحام أحد البيوت المتروكة في طرف القرية، الخارطة تظهر البيوت والأزقة بأدق التفاصيل.. وأجزم أن لدى المخابرات الإسرائيلية خارطة مشابهة لكل مدينة وقرية ومخيم.. فهم يحتلونها منذ خمسين سنة، وهم لا يلعبون.. وهذه الخرائط يجري تحديثها باستمرار، بوساطة الأقمار الصناعية، والطائرات المزودة بكاميرات، التي تصور كل شيء.
وذات يوم في أثناء الانتفاضة الأولى، دخلت مكتب “الغربي” في بغداد، لزيارة صديق، على الفور قلب صديقي الصفحة التي كانت أمامه على الطاولة (احتياطات أمنية)، ولما رأى فضولي أن أعرف ما تحتويه، قال إنها قائمة بأسماء الجواسيس في الأرض المحتلة، ولأن القائمة طويلة جدا، منعني أن أراها، قائلا: لو عرفت العدد لأصابك الإحباط، وربما تكفر بكل وطنيتك.
خلاصة القول؛ لدى إسرائيل إمكانيات أمنية هائلة، بدءا من الأقمار الاصطناعية، وانتهاء بالجاسوس الذي يُطلب منه إلقاء الحجارة على شبابيك جاره فقط.
وقد استخدمت إمكانيتها هذه للوصول إلى ما لا حصر له من القيادات والكوادر الفلسطينية، داخل وخارج فلسطين.. ولم يكن حينها أي تنسيق أمني.
وصلت إلى غزة (تحت سيطرة حماس)، وقتلت واعتقلت من تريد، وقتلت “المبحوح” في دبي، وقصفت قوافل محملة بالسلاح في السودان، وقتلت مناضلين وسط دمشق وبيروت وبغداد وعمان وتونس وباريس وروما ولندن.. دون أي حاجة للتنسيق الأمني.
نستسهل توجيه الاتهام للتنسيق الأمني، ونتجاهل موضوع اختراق التنظيمات (جميعها)، أو الأخطاء الأمنية التي يرتكبها بعض المطاردين.. وهذه الازدواجية لا تظهر إلا فيما يتصل بمعاداة السلطة.. حتى أنها تظهر وللأسف بالتمييز بين الشهداء.
وبالطبع، كل الشهداء أكرم منا جميعا.. ويستحقون كل التكريم، ولهم كل المجد والفخار.. لكن من العار علينا نحن الأحياء أن نميز بينهم.. أو أن نتاجر بدمهم لأغراض رخيصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق