أقلام وآراء

البحر والأسد

ما يقوله آفي ديختر رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي، والرئيس السابق لجهاز الشاباك؛ فيه خلط للأوراق وتتقاطع فيه المسائل. فمن جهة هو يرثي لحال غزة ويقول ما معناه إن محنتها الخانقة، ربما تتسبب في اشتعال حرب جديدة على القطاع، ومن جهة أخرى، يقول إن حماس تدرك أن غزة هي محطتها الأخيرة وهي معنية بعدم فقدانها، وأنها تعرف أن حرباً جديدة على القطاع ستكون صادمة ومختلفة والأجدر بها أن تعمل على تحاشيها، ويزعم ثالثاً أن إسرائيل تحث المنظمات الإنسانية على تقديم المساعدات لسكان غزة، بل هي نفسها تساعدهم يومياً حسب زعمه، وتلك من بين معانيها، أن العدو أفضل لغزة من عباس!

ثلاثة أطراف ينبغي أن تكون معنية بقراءة فاحصة لتصريح آفي ديختر، وأن يشتق كلٌ منها أسئلة يوجهها لنفسه. الطرف الأول هو إسرائيل، التي أحكمت الحصار على قطاع غزة وسكانه. فطالما هي تنصّب نفسها ناصحاً ومحذراً من البؤس، فلماذا تتخذ كل التدابير الحقيرة، لخنق غزة ومنع حركة سكانها وانتقاهم جيئة وذهاباً الى الخارج، أو حتى للضفة الفلسطينية، من خلال ضغوطها وضغوط الأمريكيين، ولا تعمل على فتح خطوط آمنة للفلسطينيين مع العالم؟ هي تعلم أن مئات الألوف من أهالي قطاع غزة في الخارج، يتمنون انفتاح الطرق الى بلدهم، لإنعاشها وإطفاء شوقهم اليها.

الطرف الثاني هو محمود عباس، الذي يتمادى في إفقار الناس وخنق غزة، وهو الذي يطرح نفسه كرافض للحروب وللعنف. فلماذا لا يأخذ كلام إسرائيل على محمل الجِد، لكي يتلافى الحرب التي من شأنها مفاقمة وضعه الأدبي المتردي أمام الشعب الفلسطيني؟ والطرف الثالث هو حماس، التي تدرك أن غزة هي محطتها الأخيرة، ولم يعد ممكناً التغاضي عن بؤسها وإخفاء وقائعها الدالة على احتضار المحطة الأخيرة! فلا زال يجري التستر على كل شي، حتى حوادث الانتحار التي وقعت خلال الثمانية والأربعين ساعة الأخيرة، وقد كان منها ثلاثة يوم أمس أو أمس الأول، وقد أُعلنت سلطات غزة اليوم عن محاولة انتحار، بحكم أنها لم تكن إلا محض محاولة!

فعندما يُمارس الانتحار في مجتمع مؤمن ولا يعرفه أصلاً، بحكم تشبعه الإيماني؛ لماذا لا يُقرأ الانتحار قراءة صحيحة، تتجاوز تكفير المنتحر، ويتغاضى الحاكمون في غزة عن مؤشرات الانتحار؟!

ثلاثة أطرف لا تريد توجيه الأسئلة الى نفسها، وهي تشارك، كلٌ منها حسب قدرته، في عملية خنقها، وأحد هذه الأطراف يستعرض عسكرياً ويُجري مناورات على حدود غزة، ويُهدد!

بسبب هذه الأطراف الثلاثة، بات سكان قطاع غزة، يريدون الخلاص، وقد نشأت بعض التمنيات الخطيرة، من بينها أن يُبتلى الاحتلال مرة أخرى بغزة وأن يأتي. فالتيار العنصري الصهيوني الأكثر تطرفاً وجنوناً، هو الذي لم يعجبه دهاء حزب العمل الذي استنكف عن التوغل الاستيطاني في غزة المكتظة، منذ أن بدأ حكمه في العام 1977عندما غيّر استراتيجية إسرائيل، وأطلق النشاط الاستيطاني في قطاع غزة، وكانت النتيجة الفشل، إذ اندحر شارون نفسه من غزة، على قاعدة حساب الربح والخسارة، عندما وجد أن كل  صندوق خيار أو بندورة، يكلفهم دم جندي أو أكثر. ولم يعِ الليكود الدرس. فها هو بدل الاستيطان في غزة، يتشدد في حصارها، واهماً أنه سينجح في إخضاعها أو إفراغها من السكان، حتى وهي محاصرة.

في الحقيقة، إن الأطراف الثلاثة واهمة، ولن تحصد سوى الخيبة والندم. عباس، الذي يكره السلاح والمقاومة، أصبحت قراراته الإقصائية والعقابية، سبباً في اتساع مساحة المشتل الذي يُنتج متطرفين مناوئين للجميع، ومستعدين للموت، وعباس يجر على نفسه وعلى أصحابه اللعنات. وإسرائيل التي تكذب وتقول إنها تساعد، فلن تتوصل الى أية نتيجة لتهديداتها سوى ارتكاب مجزرة جديدة مروعة، إن كان بالحرب أو بالخنق،  تستحث وجوب قتالها الى يوم القيامة. أما حماس فإن كل المعادلات أفشلت مشروعها، سواء معادلاتها وضآلتها السياسية، أو عداءات الآخرين ومثابرتهم ضدها، وباتت كلمة المقاومة موضوعاً شعرياً وخطابياً. وفي وقائع التطورات، لم تعد مساعدات قطر المالية ممكنة، بموجب الاتفاقات الأمنية مع إدارة ترامب، بل بموجب ما أعلنه الأمريكيون أنفسهم، عن اتفاقهم مع القطريين على وقف أية مساعدات لحماس أو لغزة!

غير أن الأسئلة التي نجد أنفسنا معنيين بتوجيهها الى أنفسنا: ماذا تفعل غزة، إن كان أفق الحياة مسدوداً من كل جهة أمامها؟ أفراد قلائل من سكانها ينتحرون، وألوف يموتون بسبب الإهمال الطبي، وعشرات الألوف يعانون شظف العيش، وعاطلون عن العمل يائسون، وخريجون يتراكمون بلا أمل في العمل، وجامعات ربحية تفتح أبوابها وأفواهها، ومعابر مغلقة، و”برنامج مقاومة” حاضر لفظياً، لكنه لا يعرف أن المقاومة هي نتاج مجتمع صحي واقتصاد حرب مقتدر، وحياة للمواطن، تغذي الشعور بالكبرياء؟!

لم يعد أمام غزة سوى الخيار العبيط المستحيل الذي عبر عنه اسحق رابين، وهو أن تُرمى غزة في البحر. لكن البحر هو الذي يقرر التمدد في اليابسة، أما الجغرافيا فلا تُرمى، فالتي تُرمى، هي الوجوه الغادرة!

اثنان لا يتقبلان الجيفة: البحر والأسد. الأول يلفظها والثاني يعف عنها. ولا حل لغزة سوى امتناع كل جيفة حيّة أو ميته عن المشهد من حولها. فغزة هي البحر والأسد!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق