أقلام وآراء

جُمع الغضب تغيظ الاحتلال

نحو ثلاثين شهيدا، وأكثر من خمسة آلاف إصابة وبضع مئات من المعتقلين، بلغت حصيلة المواجهات الشعبية السلمية التي حدثت بين الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع والقدس وجيش الاحتلال الإسرائيلي منذ إعلان ترامب المشؤوم مطلع شهر كانون الأول الماضي، أي خلال شهرين مضيا، أقل ما يمكن أن يقال فيها مع هذه الحصيلة هي أن إسرائيل لم تستخدم القوة المفرطة وحسب تجاه الاحتجاج الشعبي السلمي، بل مارست إرهاب الدولة بكل معنى الكلمة وقدمت نموذجا واضحا لما يمكن أو ما تقوم به «الدولة الفاشية» من قمع وقهر لما هو حق طبيعي للبشر بإعلان الاحتجاج والرفض لقرار سياسي.
في الحقيقة، صحيح أن مجازر لم تقع بعد، لكن كيف يمكن لقوة لدولة أن توقع الضحايا بين الناس وهم عزل، لا يستخدمون ولا أي شكل من أشكال التهديد على حياة الجنود أو المستوطنين، فليس هناك هذه المرة من يستخدم السلاح الناري، ولا حتى السكاكين، لذا لا يمكن تفسير الأمر إلا بأن جنود الاحتلال كما هو حال معظم الإسرائيليين لا يرون في الفلسطينيين بشرا، كما أن أصابع الجنود دائما على الزناد، تستسهل إطلاق الرصاص، لأن حكومتهم تشجعهم على ذلك، وليس هناك من مساءلة قانونية لاحقة، إضافة لتربية وثقافة عنصرية يؤمن بها الجنود الإسرائيليون.
تضيق الحكومة الإسرائيلية ذرعا بكلمة حق تقال في حضرة الاحتلال الجائر، ولا تطيق أن ترى الاحتجاج الشعبي يتواصل أسبوعا تلو أسبوع، خاصة أيام الجمع حيث يتجمع المؤمنون، في يوم مبارك، يتضاعف فيه الثواب على المقاومة، ورغم أن الاحتجاج الشعبي الفلسطيني، الذي لسان حاله يقول، إن الشعب الفلسطيني يريد زوال الاحتلال، إلا أن سقوط نظام «الأبرتهايد» الإسرائيلي، متمثلا في نظام الحكم العسكري المفروض على نحو خمسة ملايين إنسان فلسطيني منذ نصف قرن، لم يتم بعد، لكنه لا شك قد حقق الكثير.
ولأنه غني عن القول إن أحدا لا يتوقع أن تتم إزالة الاحتلال الإسرائيلي خاصة في هذا العصر الأميركي مطلق الصراح وبلا كوابح دولية ـــ تقريبا، بالضربة القاضية السريعة، إلا أن جمع النقاط ضده أمر بالغ الأهمية.
وصحيح أن ليس هناك في الأفق ما يوحي بتراجع قريب أو محتمل للبيت الأبيض عن إعلانه المشؤوم بخصوص القدس، إلا أن وضع حد لأضرار متلاحقة كانت ممكنة أو متوقعة قد تحقق بفعل هذا الاحتجاج الشعبي السلمي بالدرجة الأولى، وليس هناك بعد مرور شهرين على الإعلان من تفاعلات متواصلة عربية أو إسلامية، كما أن الرد الرسمي بإنهاء فوري للانقسام لم يحدث، لذا فإن تواصل احتجاج أيام الجمع أمر في غاية الأهمية والضرورة.
لم ولن يتوقف الأمر عند منع دول أخرى من الاحتذاء بالموقف الأميركي وحسب، بل يتعداه إلى محاصرة أن تكون إدارة العملية السياسة حصرا بالولايات المتحدة، ورغم أن زيارة مايك بنس قبل أسابيع للمنطقة قد حققت اختراقا ما في الموقف الرسمي لبعض الدول العربية، إلا أن مربط الفرس بتقديرنا، يكمن في قدرة واشنطن على طرح خطتها المتمثلة بما يسمى بصفقة القرن، فضلا عن تمريرها بعد ذلك، ومن ثم فرض تطبيقها على الأرض.
فبفضل تواصل الاحتجاج الشعبي الفلسطيني، وبفضل الدماء الزكية التي أريقت والعذابات الناجمة عن الإصابات والملاحقات والاعتقالات الإضافية التي حدثت، لن يكون بمقدور واشنطن أن تجد قبولا لخطتها مهما مارست من ضغط، لدى المستوى الرسمي الفلسطيني، أقله على الأقل دون تقديم ثمن، من نمط انسحاب إسرائيلي من بعض الأراضي المحتلة ومن تراجع رسمي أو على الأقل من إعلان آخر مرافق أو متمم للإعلان الأميركي يقلل من شأنه أو ينزع عنه الصفة السياسية ويؤكد أن القدس الشرقية محتلة وان الإعلان كان يقصد القدس الغربية، وكل هذا يضع واشنطن وتل أبيب أمام الخيار الأصعب، وهو طرح صفقة الحل بصيغة المقترح الذي يتم فرضه فرضا، وليس كحل مقبول أو متفق عليه من الجانبين.
وهذا يضع الشعب الفلسطيني لاحقا في حل من الالتزام بالحل الذي يمكن أن يطرح، ويبرر له مقاومته لاحقا، كما حدث مع حلول كثيرة عديدة طرحت قبل العام 1948، أو بعده، من نمط مشروع روجرز أو كامب ديفيد المصري، أو غيرهما.
لكن مع كل هذا فإن تواصل الاحتجاج الشعبي يعني أن الاحتجاج في حال إقدام الخصم على خطوة استفزازية أخرى، من مثل فرض الحل، سيزيد من حالة الاحتجاج الشعبي اشتعالا، ويرفع من وتيرة المقاومة، لتتحول إلى ثورة حقيقية أو إلى انتفاضة فعلية، تبدأ في إلحاق الخسائر الاقتصادية بالاحتلال، فضلا عن محاصرة إسرائيل على الصعيد الدولي.
إذا، المهم الآن أن يتواصل الاحتجاج والرفض، وأن تتوسع دوائره لتشمل كل الشعب الفلسطيني في كل مكان يوجد فيه، كذلك في حال إقدام الخصم على الخطوة السياسية المحتملة بفرض الحل، قد يظهر احتمال أن تفتح الجدران المحيطة لتظهر احتجاجات شعبية عربية تقوم بإسناد ثورة الشعب الفلسطيني، ومن ثم تصل لمستوى التأثير على الموقف العربي الرسمي.
لابد أن يضع الاحتجاج الشعبي الفلسطيني، الموقف العربي بعد الموقف الرسمي الفلسطيني في خانة العجز عن الاستجابة للقرار أو الموقف السياسي الأميركي، ليس من زاوية التشكيك فقط بالرعاية الأميركية الوحيدة للعملية السياسية، بل وفي العجز وعدم الجرأة في الإعلان عن قبول أو حتى التعاطي مع الخطة الأميركية المنتظرة، خاصة وأن التقديرات تشير إلى أن واشنطن تفكر في طرح الخطة رسميا قريبا.
ولأن النصر ما هو إلا صبر ساعة، فإن ساعة الشعب الفلسطيني، من ذهب، وفي غاية الدقة، وأية متغيرات كونية أو حتى إقليمية يمكنها أن تقلب الطاولة في وجه ترامب ونتنياهو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق