اخترنا لكم

عطا الله شاهين ” لمْ يكنْ ذاك الرّجُل يهلوّس في الصّحراء “

ذات مساءٍ وبينما كان يسير رجلٌ أعزب على طريقٍ صحراوية تعطّلت سيارته فجأة في منطقة بدت له منقطعة، فلم يكن أمامه سوى صحراء، ولم يدر إلى أين سيذهب، لأن الليل بدأ ينتشر في المنطقة، فولج إلى الصحراء وراح يسير ببطء، بعدما يئس من اتظار سيارةٍ أخرى لتقلّه إلى وجهته، فسارَ مسافة في الصحراء الرملية ورأى من بعيد خيمةً، فخطا باتجاهها بكل صعوبة، وشعرَ بالظمأ، لكنه تحمّل شدة العطش حتى وصل منهكا إلى تلك الخيمة، التي بدتْ له من بعيدٍ خيمةً ممزقة، فرأته امرأة كانتْ جالسة في الخيمة، وترضع طفلها الصغير، وحين رأته يقترب منها جفلتْ من ذاك الرّجل، فقال لها: لا تخافي، لقدْ تعطّلتْ سيارتي للتوّ في هذا المكان الموحش، ولم أدر لحظتها إلى أين سأذهب؟ وقال في ذاته أنا لا أهلوّس فلا شمس تلوح وجهي، رغم حرارة الجوّ هنا، لكنني فعلا أرى أمامي امرأة، فدنا منها وقال لها لا تخافي، فأنا فقط أريد أن أسألكِ إذا كان بالإمكانِ أن أنتظرَ هنا حتى الصباح، أو أن تدلّينني على مكانٍ قريبٍ لأبيتَ فيه فيبدو بأنك امرأة وحيدة مع طفلكِ، فردّت عليه بلى، أنا هنا بمفردي أعيش في وحشةٍ قاتلة، لكن إن أردت السيرَ فلا بد لك أن تسير مسافة طويلة حتى تجد بلدةً مسكونة، وقد يساعدكَ أهلها، ولكن العتمة انتشرت والحيوانات الضالة ربما ستنهشكَ، فلا أحبذ أن تذهبَ في هذه الليلة الحالكة، فقال لها لا عليكِ، وهمّ الرّجل بالرحيل بعد أنْ شكرها، وعاد مرة أخرى وقال لها: ألا يوجدُ عندكِ ماءٌ، فردّت عليه بلى، وناولته كأسا من الماء، وشربه على عجل، وشكرها مرة أخرى، وبدأ يخطو، وبعدما سار مسافة أمتار عدة نادت عليه بعدما تحركتْ مشاعر العطف تجاهه، وقالت له: الوقت متأخر، ففي الصباح ستذهب لترى من سيساعدك، أما الآن استرح، فيبدو بأنكَ متعبٌ، وبينما كانت تتحدث معه رأى في عينها نظرات الإعجاب المسددة صوبه، وعلِم بأنها امرأة تتوق للحُبّ، وراح يجلس على الرمال، وبدأت تقصّ لها حكايتها، وعلِم بأنها امرأة مطلّقة منذ زمن .. وظلا يسهرا طوال الليل وكانا يتحدثان عن صعوبة الحياة في الصحراء بينما ظل الطفل نائما على سريره، وفي الصباح نهض الرجل ووغسل وجهه، وقال أنا لا أهلوّس، فعلا أنا في حضرة امرأة تواقة للحُبّ ودنا منها وشكرها، وهمّ بالرحيل، لكنها خطتْ صوبه، وقالت له: بإماكنكَ أن تعود الليلة، فقال لها لا أريد أية مشاكل، فأنا بالكاد أعرفكِ.. وذهبَ في حال سبيله، وقال لها: ربما في المستقبل سأزوركِ مرة أخرى، وراحتْ تنتظره، ولكنه لم يعد، فقالت ما أوسم هذا الرجل، الذي ظل يسهر معي ليلة البارحة حتى أنه كان لطيفا معي في كل شيء، فعلمتُ بأنه رائع من نظراته الخجولة، وبعدما أصلح سيارته، قادها وسار في طريقه، وفي الطريق، قال في ذاته: أنا لا أهلوّس، كنتُ في حضرة امرأة في صحراء قاسية للعيش، لكنني رأيتها امرأة رائعة وسمعتُ صوتها الجميل الذي كان يرنّ في أُذنيّ ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق