أقلام وآراء

القدس بين عباس وعباس

نشرت “الأهرام” المصرية اليوم، مقالاً بقلم الفقيه المصري الألمعي د. عباس شومان، وكيل “الأزهر الشريف” يؤكد فيه على شطط الدعوة الى زيارة القدس تحت الاحتلال والتهويد، وفَنّد الأسباب الفقهية المحذرة من الدعوات التي أرسلتها “المقاطعة” مقر الرئاسة الفلسطينية العباسية، لزيارة المسلمين الى القدس في ظل أوضاعها الراهنة. جاء ذلك في سياق شرح أسباب رفض المؤتمر العالمي لنصرة القدس، الذي انعقد مؤخراً برعاية “الأزهر” الدعوة التي أطلقها عباس لحث المسلمين على زيارة القدس، وهي المدينة التي لم يشاهد عباس نفسه في مسجدها، وإن كان قد شوهد في منزل رئيس وزراء إسرائيل السابق أولمرت!

بالنسبة لعباس الفقيه المصري، الصعيدي من سوهاج، فهو رجل مشهود له بالتميّز في العلوم الإسلامية، إذ كان في كل مراحل دراسته وصولاً الى الدكتوراه، يتصدر صفوف النابغين. أما عباس الرئيس، فهو بلا فِقه، لكنه يُفتي بوجوب زيارة المسلمين للقدس المحتلة، ولم تحظ فتواه، بشيء مما حظيت به فتاوى “إبن صَفره” فقيه الخوارج. فها هي القدس خاليه من جمهرة المسلمين الوافدين اليها للنُصرة التي يتوهمها عباس الرئيس ويدحضها عباس الفقيه، على خلفية أن أحاسيس المسلمين، لن تطيق رؤية جمهرة اليهود فيها. كما أن سلطات هؤلاء اليهود، لن تفتح الأبواب للمناصرين عليها. فعباس الرئيس يتسلى، ويظن أن خطبة الجمعة التي يستمع اليها في مُصلى رئاسته، تُرسل أصداءها الى العالم الإسلامي، وينتظرها المسلمون ويقبضون فتواها!

يقول د. عباس شومان، وكيل “الأزهر الشريف” أن لا خلاف من الناحية الشرعية حول الحكم الأصلى العام لزيارة القدس والصلاة فى المسجد الأقصى، وهذه تسمى “النَدب” فالأقصى بالنسبة لنا نحن المسلمين أولى القِبلتين، وثالث الحرمين، وأحد المساجد الثلاثة التى لا تُشد الرحالُ إلا إليها؛ لكن الخلاف ومحل النزاع هو زيارة القدس تحت الاحتلال، ويستطرد شارحاً: كان من غير الملائم أن يستجيب مؤتمر الأزهر العالمى لنصرة القدس للدعوات الحماسية (ويقصد هنا الدعوات الرسمية الفلسطينية) التى طالبت بزيارة القدس تحت الاحتلال، لأن تلك الاستجابة – لو حدثت – ستصطدم بعقبات ومعوقات يصعب حصرها فى هذا المقام، والأزهر الشريف – كعادته دائمًا – لا يُصدر أحكامًا أو توصيات إرضاء للأهواء أو دغدغة للمشاعر، ولكنه بصفته مؤسسة علمية فى الأساس، ينطلق فى تناوله للقضايا من منطلقات علمية. ولعل الأولى بالمسلمين والعرب اليوم، إن كانوا يريدون حقًّا دعم إخوانهم فى القدس أن يتحركوا بشكل عاجل لتحقيق مصالح المقدسيين وعموم الفلسطينيين التى لا خلاف حولها كالدعم السياسى والمالى والثقافى والمعنوي، وأن يعملوا جاهدين لاستعادة الوعى بقضية فلسطين وخاصة لدى النشء العربى والإسلامي، وأن تتوحد كلمة العرب والمسلمين وتتضافر جهودهم حيال تلك القضية المحورية، وعلى الفلسطينيين أنفسهم أن يدركوا جيدًا أنه قد آن الأوان لإنهاء فرقتهم وانقسامهم المُضعف لمواقفهم والمُشتِت لجهودهم، وعلى الصهاينة أن يعلموا أنه مهما طال الزمن فستُشد الرحال إلى القدس لا لزيارتها تحت الاحتلال، وإنما لتحريرها منه بكل وسيلة ممكنة!

الموقف الرسمى لمؤسسة “الأزهر” هو رفض زيارة القدس تحت الاحتلال، حيث لا مصلحة فى ذلك، بل إن زيارة القدس فى ظل احتلال غاشم يريد القضاء على كل المعالم الإسلامية والمسيحية والتاريخية والحضارية بالمدينة، تترتب عليها مفاسد جسيمة، ومضار عظيمة، ونتائج وخيمة. ويقول د. عباس شومان: “لعل من المهم فى هذا السياق أن نُذكِّر بمواقف رجال الأزهر الشوامخ وعلمائه الكبار الذين رفضوا زيارة القدس تحت الاحتلال. فقد رفض الشيخ عبد الحليم محمود مرافقة الرئيس السادات فى زيارته للقدس. وعلق الشيخ جاد الحق الزيارة على تَطَهُّرِ الأرض من دنس المغتصبين اليهود وعودتها إلى أهلها ويرتفع فيها ذكر الله والنداء إلى الصلوات، وأعلن أن مَن يذهب إلى القدس من المسلمين آثمٌ ما دامت محتلة. وعدَّ الدكتور نصر فريد واصل الزيارة تكريسًا للاحتلال واعترافًا بمشروعيته. وجدَّد الإمام الطيِّب موقف الأزهر الرافض للزيارة، مؤكدًا على أن زيارة القدس تحت الاحتلال لا تحقق مصلحة للمسلمين، وقد استعرض مجمع البحوث الإسلامية فى اجتماعه الطارئ الذى انعقد فى 19 أبريل 2012م آراء علمائه فى هذا الشأن، ثم أصدر بيانًا جاء فيه إن الأزهر الشريف يؤكد موقفه الرافض لزيارة القـدس والمســجد الأقصى وهما تحت الاحتلال الإسرائيلي!.

الطريف، أن عباس الرئيس، على النقيض من عباس الفقيه، يريد وقتاً مستقطعاً من السكون والشلل في بلادنا، لكي يهنأ حتى الرمق الأخير من حياته، بمباهج الاستفراد والتسلط على خلق الله، بذريعة ملفقة، وهي وجوب انتظار الجموع الإسلامية الهادرة والزاحفة الى القدس استجابةً لفتواه، بينما هو نفسه، لم يشد الرحال اليها ولا الى نابلس أو جنين أو الخليل!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق