أقلام وآراء

الحكاية وما يليق بالقضية

في سبتمبر 1993 ناقش “الكنيست” الثالث عشر، مشروع اتفاق أوسلو الانتقالي الذي وُصف بــ “إعلان مباديء”. وقد استمر النقاش ليومين، وعند التصويت يوم 23 من الشهر، صادق برلمان العدو على الاتفاق، بأقلية طفيفة، من صوتين، مقابل خمسين عضواً معارضاً، وامتناع ثمانية أعضاء عن التصويت.  ثمانية عن التصويت. كان الخمسون الذين عارضوا وعلا صوتهم الاحتجاجي، هم ممثلو التيار الذي تسلم الحكم فيما بعد، وأيدهم الممتنعون. وهؤلاء مع تيارهم، تكفلوا بعملية حشد للمعارضين المتطرفين، تخللتها ديماغوجيا مجنونة، أوقعت الرعب في تيار المؤيدين فتباطأوا في تطبيقات الاتفاق، وتولى عملية التباطؤ المتعمد، صقور حزب العمل نفسه، من العسكريين القتلة. وفي السياق كله، كان هناك خطان لعملية إجهاض الاتفاق، واحد عندهم وآخر عندنا!

الخط الذي عندهم، يكمن في نص الاتفاق الذي أصر عليه رابين وبيرس، وهو أن يكون التنفيذ بالجملة، والاتفاق نفسه بالمفرّق، وذلك على النقيض من كل الاتفاقات على حل النزاعات. فالطبيعي أن يكون الاتفاق بالجملة، ومنصوص على خطواته ومراحله من الألف الى الياء، على أن يكون التنفيذ ملزماً بالمفرق، أي على مراحل. وما حدث فوراً، اننا من جانبنا، وفي عملية التنفيذ بالجملة، انتقلنا الى الأراضي المحتلة، بكل هيكلية منظمة التحرير الفلسطينية، وبكل قياداتها، وكان الدخول الى الوطن، عبر منافذ يسيطر عليها الاحتلال، فلا يخرح الداخلون إلا بموافقته، مثلما لا يدخلون إلا بموافقته. وعندئذٍ دخلنا القفص، وسط بهجة غامرة اخترنا لها وصف العودة الى الوطن، مع التغاضي عن شروطها وقيودها ومحاذيرها وتوقعاتها!

ذلك الخط نعتبره تدبيراً مسبقاً منسوب الصهاينة اللئام. أما الخط الذي عندنا، فكان التفجيرات التي طالت مدنيين، ودفع اليها المعارضون عندنا، بذريعة وجوب المقاومة العاجلة التي لا تتريث لحين تبيان الخط الأبيض من الخط الأسود. ومع كل التقدير لشهدائنا الاستشهاديين، كانت المحصلة على الصعيد السياسي، تدفع في اتجاه تنمية التشدد الصهيوني، وانتعاش خطاب الخمسين الذين عارضوا في “الكنيست” والثمانية الذين امتنعوا عن التصويت. وحتى القوى التي كانت تسمي نفسها “قوى السلام الإسرائيلية” وتساند حقنا في الدولة الفلسطينية على أساس حدود 1967 توارت عن الأنظار وكفّت عن الكلام. ولما استوحش العدو وتمادى في الولوغ في دمنا، سُئلوا لماذا تصمتون، فأجابوا، كنا نساندكم عندما كنتم ضحايا، ولا نستطيع الآن مساندتكم طالما أن هناك ضحايا عندنا. وبناء على ذلك اجتاح التيار الصهيوني المتطرف الساحة السياسية في الكيان الصهيوني، ودبر عملية اغتيال لرابين نفسه، وتولى الحكم وانقلب على التسوية، وقتل الزعيم ياسر عرفات، عندما واجه الزعيم عملية انقلابهم على التسوية، بإطلاق كل الخيول من حظاهرها، والعودة الى خيار المقاومة!

عندما انقلب التيار الصهيوني الأكثر تشدداً على العملية السلمية، استغل ثغراتها واختلال أولوياتها، بتقديم التنفيذ على الاتفاق نفسه، وبدأت مفاعيل الانقلاب بطريقة لا تجاهر بأن الانقلاب سيحدث حتى ولو ظل جميع الفلسطينيين ملتزمين بالاتفاق ولا يقاومون. فلم يكن سهلاً، بالنسبة لهم، أن يجاهروا في ذلك الوقت، أمام المجتمع الدولي، برفض التسوية التي يسميها العالم “اتفاق سلام”. لذا كانت الممارسة التي اتسمت بتخليق الانسداد في كل التفصيلات، هي أسلوبهم. وحتى بعد اغتيال الزعيم ياسر عرفات، وبدء مرحلة عباس الذي أعلن رفضه التام لاستخدام السلاح والمقاومة واستعداده لتنفيذ ما سُمي خارطة الطريق بكل حيثياتها الأمنية؛ لم يستطع عباس مقابل التزامه ذاك، أن يقنع الاحتلال بالعودة في الضفة الى خطوط ما قبل 28 أكتوبر العام 2000 قبل أن تشتعل الانتفاضة الطويلة الثانية، الشعبية والمسلحة. لذا فقد عادت الأمور الى أوضاع اسوأ منها في سنوات الاحتلال وما قبل أوسلو، بحكم منهجية التيار الصهيوني المتشدد، الذي تَزيّد في القيود، وبعضها تعمّد من خلاله فصل الضفة عن غزة، والحيلوله دون دخول حامل بطاقة شخصية، في أيٍ من المنطقتين، دخول المنطقة الأخرى من المنافذ الخارجية والداخلية إلا بتصريح دخول يصدر عن أمن الاحتلال، عبر هيئة التنسيق الفلسطينية التي تتوسل التنسيق. بل إن المواطن في غزة، الذي دخل بتصريح زيارة ولم يخرج، وظل ماكثاً فيها بعد خروج جيش الاحتلال، ظل مشلولاً وبلا بطاقة شخصية، وتراه حتى سلطات دول الإقليم، شخصاً لا يملك الحق في المواطنة وبالتالي تمنع عليه الحركة من والى قطاع غزة. ومرت السنوات، وبات الطفل الذي يولد في غزة الخالية من الاحتلال والمحاصرة، لا يكتسب حق المواطنة، طالما لم يسجل في دائرة نفوس المواطنين، لدى الاحتلال الذي خرج لكنه ظل يتحكم في عملية إصدار البطاقات الشخصية التي يعترف بها ولا يعترف بسواها، هو وسلطات الإقليم. وفي هذا السياق كله، ظلت قيادة السلطة، تتغاضى عن هذه المظالم والتعديات على الحقوق الإنسانية للبشر، في كل لقاءاتها مع الطرف الإسرائيلي في مراحل شارون وأولمرت، ولا تطرح مثل هذه الموضوعات في اية مناسبة، ولا تطالب حتى بالاستمرار في برنامج جمل شمل العائلات!

قصارى القول، إن تيار نتيناهو، كان ضد التسوية على عيوبها في ناظرنا، قبل الوصول الى الحكم، وظل ضدها ولا يطيق سماع كلمة عنها، بعد وصوله الى الحكم، ما جعل الجانب الفلسطيني، مضطراً الى تحقيق النصاب السياسي في الداخل، ووضع رؤية جديدة، مستأنساً بوجود شعبنا على أرضه، وبوجوب العمل على قيام نظام سياسي ذي منحى يليق بحيوية الأجيال الفلسطينية، ويليق بالقضية!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق