أقلام وآراء

في مملكة الصمت

مستأنساً باعتقاده الخاطيء، أنه قد أنجز بناء مملكة الرياء والجهل والجُبن والصمت؛ قدم عباس عرضه الطويل القميىء، بلغته السمجة الكذوبة المتذاكية والمتظارفة، التي تستهبل عقول مواطني المملكة آنفة الذكر.

تحدث عن الفساد، كأنما هو رمز الشفافية، بل إنه يتحدى أن يأتيه أحد ببينة، وتحدث عن السياسة كأنه يعرف عنها غير ما يعرفه، وهي أنها تتلازم مع المخابرات والدسائس، وهو يجهل بُعدها الاجتماعي، وتحدث عن الرأي الآخر، وكأنه يتقبل الهمسة، وهو الذي يحاسب الشُبان على علامات الإعجاب على الفيسبوك. قال إنه يقدم توصياته التي وصفها بكونها بالقرارات ثم صححوا له فقالوا إنها محض توصيات، زاعماً أنه مجرد مواطن، وهو الذي اعتلى المنصة وفرض على الحاضرين أن يستمعوا له لأكثر من ثلاث ساعات، كان يُلقي فيها درساً، وكأن ذلك يتاح لمواطن أو لعضو في المجلس المركزي. يتحدث عن نفسه كواحد من “الأبضايات” ويقدح في أشخاص، ويهدد كل من يفكر في الإبلاغ عن فساد، بأنه سيذهب “الى بيت خالته” إن لم يُثبت ما يقول، علماً بأن مخابراته التي تتقصى اللايكات الفيسبوكية تعرف ماذا يفعل كل فاسد من حاشيته وأتباعه، ويمكنها أن تثبت وأن تضبط البعير، بعد أن يدل كل ذي بلاغ على البعرة!

قال إنه لا يلوم حركة “الجهاد” لأنها لا تعمل في السياسة، وخَلط بين السياسة والتسوية، متجاهلاً أن الكهرباء سياسة، واستهداف مجاميع الناس وتجويعها سياسة، والوفاق الوطني سياسة، والثقافة سياسة، وقبل ذلك كله، استراتيجيات العمل العام  سياسة، وعلى صعيد هذا كله، لدى حركة “الجهاد” من العلم بالسياسة نصيب وافر، بل إن مؤسسها الشهيد الرمز فتحي الشقاقي، كان كاتباً مثقفاً يعرف تاريخ فلسطين الذي يجهله محمود عباس!

 الموقف من أمريكا، يستمد صدقيته من العمل الحثيث على إعداد البنية الكيانية التي تحميه، ومن السلوك الفعلي للحاكم الذي يرى في الموقف المعارض لخياراته، ورقة نافعة في ممارسة السياسة. أما الموقف اللفظي فلا قيمة له عندما يتوازى مع التنسيق الأمني، ومع زرع البغضاء وتهميش الكادر والاستعلاء على الآخرين واستغفال عقولهم، وإهانة الكادر بالاتهامات الملفقة وبمنع السفر وبالتنصت على الهواتف وبزج الأحرار والمقاومين في السجون وتعذيبهم!

الفلسطينيون سيتابعون السلوك بعد انفضاض المجلس مساء اليوم، وسيعرف المداحون، أن شيئاً لن يتغير في عهده. ستظل السلطة بلا مؤسسات، وستظل منظمة التحرير على ركودها وشيخوختها، وستظل الاتصالات مع الأمريكيين والإسرائيليين جارية، والتنسيق الأمني يشتغل على مدار الساعة، وستظل المصالحة معلقة، وغزة مُعاقبة بلا ذنب، وسيظل عزام الأحمد يُرغي ويزبد، ولا يريد أن يقتنع أن الناس عافت سحنته، وسيظل في كل يوم يصرح ويستفز الشعب الفلسطيني بلغته الجارحة للوجدان الوطني، وسيظل على أوهامه أنه عزل من عزل وأهان من أهان وقطع ما قطع من الرواتب، وعاقب من عاقب من المدن والقرى والمخيمات، على اعتبار أن التاريخ انعقد له وأن مرحلته أبدية وأن بلاءه مُقيم!

مملكة الصمت والرياء والجهل، ليس فيها سكان كثيرون. الشعب الفلسطيني صبور ويكظم غيظه، مقدراً كل العوامل والحقائق الموضوعية من حوله، وهو صامد في أرضه، ومتمسك بأهدافه في الوطن وفي الشتات، وبوصلته لا تنحرف ولا تصدأ، والتاريخ يسجل، وسيعرف الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون!  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق