أقلام وآراء

معزوفة “الجهاد” التي قطعها أبو مازن ..

وأخيرًا انعقد المجلس المركزي لمنظمة التحرير، بعد 39 يومًا على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، القدس “عاصمةً” لكيان الاحتلال الإسرائيلي، تنفيذًا منه لتشريع أقرَّه الكونغرس في الثامن من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1995.

ولننطلق في التفسير والتحليل، نقول بأن هذا القرار ليس جديدًا، لكن الجديد هي جرأة الرئيس الأميركي الخامس والأربعين على تنفيذه، وهي الخطوة التي أرجأ تنفيذها ثلاثةُ رؤساء سابقين (بيل كلينتون، جورج بوش(الابن)، وباراك أوباما)، فالتشريع يسمح للرئيس بتأجيل تطبيقه كل 6 أشهر.

وهنا لست بصدد توضيح أسباب وحيثيات ومآلات هذا الإعلان، فالكثيرون تحدثوا عن ذلك بما يكفي، لكنني أريد البدء بالقول بأننا كفلسطينيين تحديدًا أمام أزمة، كان من المفترض أساسًا أن نتجنب وقوعها، بأساليب ووسائل عديدة منها: إنهاء حالة الانقسام وتوحيد الصف الوطني، ومن ثمّ التوافق على إستراتيجية مواجهة فاعلة للاحتلال الإسرائيلي، بهدف كبح جماح مخططاته العدوانية، ومشاريعه التهويدية والاستيطانية، لكن ذلك لم يتم للأسف.

فقد اتسم المشهد في العقدين الأخيرين، بكون الجهد الفلسطيني مشتتًا، والسجال حاد بين مختلف الأطياف السياسية، وانحراف البعض منا عن البوصلة الحقيقية (التحرير)، بتبني نهج التسوية والتفاوض، وانشغال البعض الآخر بقضايا وأزمات ثانوية، وكان لعدم قيامنا بتلافي وقوع الأزمة – لاسيما وأننا نتحدث عن تشريع أميركي أُقر عام 1995- نتائج وخيمة من تصاعد للعدوان الإسرائيلي، وقضم واسع للأراضي الفلسطينية، وتهويد مستعر وغير مسبوق للقدس، الأمر الذي أنضج الظروف في النهاية، ليمنح ترامب الضوء الأخضر لحكومة الاحتلال، بتغيير الوقائع والواقع في القدس.

ولقد كان لغياب التخطيط أو بالأحرى تغييب التخطيط السليم لوقوع الأزمة دورًا في حالة التخبط التي أعقبت إعلان ترامب المشؤوم، الأمر الذي يفتح تساؤلات عديدة – سأتجاوز التشكيك في طرح بعضها – حول تعاطي المستوى الفلسطيني الرسمي، مع أزمة تلوح في الأفق، كان يجدر بهم أن يضعوا الخطط الملائمة للتعامل معها فور حدوثها، وهو ما لم يتم أيضًا.

وقعت الأزمة بالفعل في السادس من ديسمبر/ كانون الثاني عام 2017، وصدرت ردود فعل فلسطينية رسمية عليها، لم تُظهر ذلك التحدي اللازم في إدارة الأزمات – مع أن القضية تتطلب ذلك نظرًا لقداستها، والإجماع الشعبي عليها، واعتبار المستوى الرسمي لها خطًا أحمرًا- فالسياسة الراشدة والمتحررة من القيود تتبع هذا الموقف. وهنا نستطيع القول بأن موقف السلطة الفلسطينية كان دون المستوى فعليًا وعمليًا، وإن تضمن عبارات بغرض الاستهلاك الإعلامي من هذا المسؤول أو ذاك، للتماشي مع غضب الشارع الفلسطيني، والجماهير العربية والإسلامية، أو كي لا تظهر القيادة أضعف في ردود فعلها من دول أخرى.

وسيظل الفعل الفلسطيني الرسمي غائبًا أو مغيبًا في الرد على هذا القرار أو غيره، إذا ما واصلنا الدوران في فلك التسوية و”أوسلو”، وبقي واقع الانقسام والتفكك متفشيًا في الساحة الفلسطينية، ولن يكون هناك جدوى لانعقاد “المركزي”، مهما اتخذ من قرارات سواءً كانت مصيرية أو حاسمة أو غير ذلك من أشكال وصور القرارات، إذا ما ظلت الأمور – التي أشرت إليها – على حالها، والشاهد على ذلك، القرارات التي صدرت عن المجلس، في دورته الأخيرة أو الدورة السابعة والعشرين، والتي انعقدت في مطلع شهر مارس/ آذار 2015، ونتج عنها اثني عشر قرارًا تضمنها البيان الختامي للدورة، منها: تحميل “إسرائيل” مسؤولياتها كافة تجاه الشعب الفلسطيني كسلطة احتلال وفقًا للقانون الدولي، ووقف التنسيق الأمني بأشكاله كافة مع سلطات الاحتلال، في ضوء عدم التزامها بالاتفاقيات الموقعة مع السلطة الفلسطينية، لكن هذه القرارات لم تُفعَل، ونحن على عتبة  ثلاث سنوات من إقرارها، أو بعبارة أخرى ظلّت في سياقها الكلامي.

وبخصوص المكان الذي يستضيف دورة المجلس الثامنة والعشرين، فأنا أرى أن من حق بعض الفصائل والقوى أن تتحفظ عليه، وانزعاج رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، من عدم مشاركة حركتي الجهاد الإسلامي وحماس في الاجتماع لهذا السبب، في غير محله، فكيف لدورة “مركزي” منظمة التحرير الفلسطينية أن تنعقد في مدينة محتلة (رام الله) يستبيحها جنود الاحتلال وقتما شاءوا؟!. وبرأيي فإن هنالك أماكن مناسبة وبعيدة عن حراب الاحتلال لانعقاد هذا الاجتماع، فما المشكلة – مثلًا – في أن يأتي الرئيس لقطاع غزة أو يكون ذلك الاجتماع في القاهرة أو بيروت؟.

ولفت انتباهي في كلمة أبي مازن بالجلسة الافتتاحية لدورة “المركزي” الـ28 قوله بأن: “”إسرائيل” أنهت اتفاق “أوسلو”، وأننا سلطة من دون سلطة، وتحت احتلال من دون كلفة، ولن نقبل أن نبقى كذلك”. فلو تناولنا هذه التصريحات على صيغة معادلات رياضية بسيطة، أولًا: إنهاء اتفاق “أوسلو” من جانب الاحتلال يُفترض أن يُقابل من جانب السلطة الفلسطينية بخطوة مماثلة، أي إلغاء “أوسلو” والالتزامات المترتبة عليها، ثانيًا: ما دام أنك تُقر بأنك لا تتمتع بسلطة حقيقية (سيادة)، فلماذا لا تتحرك بخطوة تتحلل فيها من مسؤوليتك، وتَحِّل هذه السلطة، وتتحول من حالة العجز المُركب التي تعيشها إلى حالة تحدي ومجابهة حقيقية للاحتلال؟!، ثالثًا: جميلٌ أنك لن تقبل أن تكون تحت احتلال من دون كلفة، لكن السؤال ماذا تبقى أمامك لتظل لن تقبل ذلك الوضع؟!”.

لم يتبق أمامنا الكثير من الوقت كي نواصل التكتيك – إذا كنا فعلًا نجيده – وأرى أننا على أعتاب الحلقة الأخيرة من المسلسل، الذي سنصبح فيه أمام واقع جديد، لا استبعد فيه أن نصحو يومًا على خبر هدم أو انهيار المسجد الأقصى المبارك بفعل زلزال مصطنع أو ما شابه، تمهيدًا لإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه، ساعتها لن ينفع من يواصلون الحديث اليوم عن المقاومة الشعبية السلمية، والالتزام بـ”محاربة الإرهاب” (قوى المقاومة)، والتأكيد على “ثقافة السلام” (الأميركية)، والالتزام بـ”حل الدولتين” على أساس الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية .. الخ، من أنصاف حلول ووسائل تسووية لإنهاء الصراع، لن ينفعهم كل ذلك، وسيكون الموقف والقرار حينها للميدان وللميدان فقط.

ومما أثار انتباهي في كلمة الرئيس عباس في جلسة “المركزي” الافتتاحية هذا المقطع: “قد لا ألوم “الجهاد الإسلامي” لأنهم لا يتحدثون، يعملون في السياسة ولا يتحدثون في السياسة، ولا أريد أن اكمل المعزوفة حتى لا أقع في الغلط ..”، إلى هنا توقف في حديثه (المعزوفة) عن حركة الجهاد الإسلامي، وانتقل لمعزوفة أخرى عن حركة حماس، مع أني كنت أتمنى أن يواصل معزوفته عن “الجهاد”، لكن لخشيته في الوقوع في الخطأ قطعها مبكرًا جدًا، لينتقل إلى المعزوفة الأخرى، التي قد يجيد عزفها بمهارة وإتقان، ظناً أنها ستدخله على خط المنافسة مع معزوفة الخريف لفريدريك شوبان، أو معزوفات بيتهوفن الشهيرة، أو معزوفة مونامور المعروفة!!.

وإذا كانت ممارسة السياسة في منطق السيد الرئيس كالسلع التي تُباع وتشترى في البازار، فلنستعرض معًا أبرز هذه السياسات، ومن ثمّ ننطلق لنسأله: ماذا حققت هذه السياسات؟، فإذا كانت السياسة التي يقصدها الرئيس: تنسيقًا أمنيًا مع الاحتلال، أو تنازلًا عن الثوابت والحقوق الوطنية، أو تبنيًا لنهج المفاوضات، أو التسليم بوجود سلطة تحمي الاحتلال، أو تقزيم المشروع الوطني في مجرد سلطة وهمية على الأرض بلا سيادة، هذه السلطة التي لا تستطيع من خلالها تأمين حضور شخصيات من خارج فلسطين في دورة المجلس المركزي، أو القبول بقيام دولة منزوعة الدولة (بمقاييس الاحتلال) .. الخ، فـ”الجهاد” فعلًا لا تمارس هذه السياسات أو لا تتبناها، ولا يسيل لعباها لهثًا وراء مكتسبات سياسية من هذه الأنواع، فالسياسة التي تمارسها “الجهاد” وتتبناها، تتمثل في الموقف السليم وفق إيقاع وتناغم يضبط الحركة السياسية الفلسطينية، على قاعدة حماية الثوابت والحقوق الوطنية.

خلاصة القول: إن السياسة في منطق “الجهاد الإسلامي” لا تقوم على ردود الأفعال فحسب؛ بل تنطلق من ركائز متعددة لحياكتها على نسق مناسب يُراكم المكاسب والانجازات، ويتلافى التهاوي والانحدار ووقوع المخاسر والأضرار قدر الإمكان، بمعنى أكثر وضوحًا السياسة عند “الجهاد” فكراً ومبادئ ننشد من خلالها أهدافاً وآمالاً عريضة قابلة للتحقق إذا ما توفرت لها العوامل والأرضية المطلوبة. السياسة ليست سراباً ولا أوهاماً ولا هرطقات يرددها كهول وعجزة أصاب وعيهم الشلل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق