أقلام وآراء

تحصين المجتمع ضرورة

بات ملحاً ان نعيد التأكيد على مكونات برنامج “تحصين المجتمع” خصوصاً في ضوء بعض المظاهر السلبية سواء كانت فردية او نصف فردية سواء اعتبرناها اقل من ظاهرة أو دون مستوى المشكلة، يظل موضوع التحصين وتعزيز مناعة المجتمع قضية مفصلية وضرورة ملحة، وهي ليست مهمة محتكرة لأي جهة ولكنها مطلوبة من جميع مكونات المجتمع دون استثناء.
في البدايات كنت أظن، وبعض الظن إثم، ان الموضوع تراكمي ويحتاج الى وقت، الا أنني أيقنتُ تماماً ان الوقت لا يسعف، وهو أمر بالغ الخطورة وموضوع المراكمة ونتيجة سنوات اخرى من مخرجات التربية والتعليم، ومن ثم انتظار دور المؤسسات الشبابية ودور الفصائل السياسية ودور مؤسسات المجتمع المدني وهيئات الحكم المحلي والإعلام والثقافة ” يا طول مشيك في البراري حافي”.
اليوم وليس غداً مطلوب تفعيل إنفاذ القانون وسيادته واستقلالية القضاء ورفض أي توسط ناتج عن تدخلات، بحيث يصبح هناك فريق ينظر الى الأمر على انه ليس اكثر من مراهقة وولدنة وعدم وعي، وبالتالي امسحوها بذقننا ودعونا نقبّل رأس فلان ورأس علان، دعوا القانون يأخذ مجراه، تنحوا جانباً ولا تخرقوا حصانة المجتمع ولا تضربوا مناعة المجتمع.
جزء من حصانة المجتمع إعادة النظر بدور العالم الافتراضي الإلكتروني، ولا يجوز أن نظل نقلل من أهميته ومن ثم نربطه بحرية الرأي والتعبير، وكأن من يشيع الفساد بين الناس مكون من حرية الرأي والتعبير وليس ضربا لحصانة المجتمع دون أي مسؤولية، حتى ان اتهام البعض البعض الآخر بالعمالة بات حرية رأي، والتفريغ السلبي عبر السوشيال ميديا، ما يثير نعرات طائفية ومناطقية ومن ثم نقول ليس مقصوداً، تُرى لماذا لا يتحمل مثيرو تلك النعرات المسؤولية القانونية، وهل اذا تقدمت بشكوى قانونية ضدهم أُصبح انا المذنبَ ويصبح التوسط لديّ انا لأتراجعَ وليس التدخل لتجريم المجرم الإلكتروني.
واضح تماماً ان ضرب مناعة المجتمع بدأت منذ اللحظة التي رضي فيها ابناء المجتمع ان يعالجوا مشاكلهم العالقة عبر تحكيم وجوه بينهم لا يمتلكون مهنية التحكيم والفصل في النزاعات، اللهم الا “ادفع كذا واشترِ راحة بالك” “يا زلمة إنتَ كبير ومصالحك كبيرة في البلد، ادفع واخلص”، وتتصاعد الأمور لنذهب باتجاه ضغط مجتمعي مبرمج لنظل في هذه الدائرة ولا نذهب صوب القانون وصوب القضاء، بل نبقى ندور في هذه الحلقة، وهذا لا يقلل من دور غرف التحكيم المهنية التي تحكم على أُسس قانونية ولا تتخطى دور القضاء والقانون.
وحتى لا أفلسف الامور وكأنني أُكرر ما يقال، الا أنه لا بد من الإشارة الى ان الديمقراطية والتعددية السياسية والثقافية وتداول السلطات ودور الحزب السياسي والانتخابات هي قضايا محورية وأساسية في تحصين ومناعة المجتمع يجب ان تؤخذ بالحسبان، لأنها معيقات ويؤدي غيابُها الى انسداد قنوات التأثير على صناع وصناعة القرار، فنعيش في غربة ونصبح كأننا معزولين وعلينا واجبات دون حقوق، ونصبح نتعامل مع الشأن العام باستخفاف وكأنه لا يعنينا.
يتطلب التحصين وقفة تقييم ومراجعة وشراكة، وفي كل مرحلة يجب ان نتوقف معا لنقيم ونرسم خارطة طريق جديدة، لا يعقل ان نظل ننظم شعراً بالقدس ونقول انها “تتكلم عربي” رغم الاحتلال ونقطة وسطر جديد، وهذا ينسحب على الصمود والاستيطان وجدار العزل والضم والتواصل الجغرافي كمؤسس لتهيئة البنية لاقامة الدولة الفلسطينية في ظل التقطيع الذي يقع، وفصل الضفة عن غزة وكأننا ثقافات مختلفة ولا يعرف بعضُنا بعضاً، فأين هي الحصانة والتمكين والمناعة.
كيف نريد تحصيناً اقتصادياً ويتم الإعلان عن ضبط جرائم اقتصادية متعددة ولا نعلم عن الأحكام التي صدرت بحق مرتكبيها، وقبلنا بكون المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته، أيعقل خلال 2017 انه لم يصدر حكم بحق مجرم اقتصادي من أولئك؟ ولو حدث فان القانون يُلزم بالإعلان عن أسماء المحكومين، فأين هو هذا الإعلان؟ وإذا لم تصدر أحكام فبالتالي لدينا احتمال واحد من ثلاثة، إما ان تقرير الضبط من الجهات التي تحمل صفة الضابطة العدلية لم يكن محكماً فرُفض من النيابة، أو احتمال ان الملفات لدى نيابة الجرائم الاقتصادية لم تكيَّف وتحوَّل للقضاء، أو احتمال أن القضاء “حبالُه طوال” وتظل القضايا لديه، ويظل السؤال عالقاً أين تكمن الحكاية، وكيف نحصن انفسنا ضد الجرائم الاقتصادية وعدم اتساعها.
يجب وقف ظاهرة النفاق الاجتماعي التي سادت وتتسع من خلال موجة التهنئة والشكر والتقدير لجهات واجبها حمايتنا وواجبها ضبط وربط وتهنئة مدفوعة الأجر لمواقع وشهادات في لحظات تاريخية فارقة في المستقبل السياسي لفلسطين.
دعونا نعمل معاً لتعزيز الحصانة والمناعة، واتركوا جانباً لغة التوسط والمحاباة والابتعاد عن سيادة القانون واستقلالية القضاء، اتركوا جانباً التوسط لصالح تاجر وُجدت لديه منتجات فاسدة او سائق يحمل لحوماً ودواجن غير مبردة، ولا تتوسطوا لمن يقود دون رخصة، ولا تقولوا فتية مراهقون أساؤوا التصرف، ولا تقللوا من شأن المجرمين الإلكترونيين الذين يثيرون نعرات طائفية تحت غطاء الغضب وردة الفعل وفورة الدم من حادثة هي اقل من ظاهرة واقل من مشكلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق